فهرس الكتاب
ج / 9 ص -224- تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ رَأَوْا وَبِيصَ1 الْمِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَانْعَقَدَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَهَارَتِهِ وَجَوَازِ بَيْعِهِ وأما قَوْلُهُ: إنَّهُ دَمٌ فَلَا يَسْلَمُ وَلَوْ سَلِمَ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ نَجَاسَتُهُ فَإِنَّهُ دَمٌ غَيْرُ مَسْفُوحٍ كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ.
وأما: قَوْلُهُ: مُنْفَصِلٌ مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ فَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ أحدهما: أَنَّ الظَّبْيَةَ تَلْقِيهِ كَمَا تُلْقِي الْوَلَدَ، وَكَمَا يُلْقِي الطَّائِرُ الْبَيْضَةَ، فَيَكُونُ طَاهِرًا كَوَلَدِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ وَبَيْضِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ نَجَاسَتُهُ، فَإِنَّ الْعَسَلَ مِنْ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ طَاهِرٌ حَلَالٌ بِلَا شَكٍّ وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وأما: بَيْعُ الْمِسْكِ فِي فَأْرَتِهِ، وَهِيَ نَافِجَتُهُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: يَجُوزُ مُطْلَقًا، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ لَمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ والثاني: إنْ كَانَتْ مَفْتُوحَةً وَشَاهَدَ الْمِسْكَ فِيهَا وَلَمْ يَتَفَاوَتْ ثَمَنُهَا صَحَّ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ والثالث: وَهُوَ الصَّحِيحُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فِيهَا مُطْلَقًا، سَوَاءٌ بِيعَ مَعَهَا أَوْ دُونَهَا، مَفْتُوحَةً وَغَيْرَ مَفْتُوحَةٍ، كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ اللَّحْمِ فِي الْجِلْدِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَلَوْ رَأَى الْمِسْكَ خَارِجَ الْفَأْرَةِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ وَبَاعَهُ فِيهَا وَهِيَ مَفْتُوحَةُ الرَّأْسِ صَحَّ الْبَيْعُ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَفْتُوحَةٍ فَقَدْ قَالُوا: فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَضَى عَلَيْهِ زَمَنٌ يَتَغَيَّرُ فِيهِ غَالِبًا، وَإِلَّا فَيَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ قَدْ رَآهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ بَاعَ الْمِسْكَ الْمَخْلُوطَ بِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَجْهُولٌ كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ اللَّبَنِ الْمَخْلُوطِ بِالْمَاءِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا الزَّبَادُ فَهُوَ لَبَنُ سِنَّوْرٍ، يَكُونُ فِي الْبَحْرِ، قَالَ: وَلِأَصْحَابِنَا فِي جَوَازِ بَيْعِهِ وَجْهَانِ، إذَا قُلْنَا بِنَجَاسَةِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أحدهما: نَجِسٌ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ والثاني: طَاهِرٌ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْمِسْكِ، هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالصَّوَابُ طَهَارَتُهُ وَصِحَّةُ بَيْعِهِ، لِأَنَّ الصَّحِيحَ حِلُّ لَحْمِ كُلِّ حَيَوَانِ الْبَحْرِ، وَحِلُّ لَبَنِهِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ وَالْخَلِّ وَنَحْوِهِمَا إذَا كَانَ مَخْلُوطًا بِالْمَاءِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَجْهُولٌ.
فرع: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْمِسْكَ الْمُخْتَلِطَ بِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَجْهُولٌ، كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ اللَّبَنِ الْمُخْتَلِطِ بِالْمَاءِ، وَالْمُرَادُ إذَا خَالَطَ الْمِسْكُ غَيْرَهُ لَا عَلَى وَجْهِ التَّرْكِيبِ - فَإِنْ كَانَ مَعْجُونًا مَعَ غَيْرِهِ كَالْغَالِيَةِ وَالنَّدِّ - جَازَ بَيْعُهُ، وَلَمْ يَجُزْ السَّلَمُ فِيهِ.
فرع: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعْدِنِ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ. وَتَمْيِيزِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْهُ، وَكَذَا تُرَابُ الصَّاغَةِ، سَوَاءٌ بَاعَهُ بِذَهَبٍ أَمْ بِفِضَّةٍ أَمْ بِغَيْرِهِمَا، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَرَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ: يَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ، وَبَيْعُ تُرَابِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعْدِنِ بِمَا يُخَالِفُهُ بِالْوَزْنِ إنْ كَانَ ذَهَبًا وَوَافَقْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ الصَّاغَةِ بِحَالٍ. دَلِيلُنَا أَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وبيض كبريق وزنا ومعنى وهو اللمعان (ط) .