فهرس الكتاب
ج / 9 ص -243- أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ رَوَاجُهَا لَا عَيْنُهَا، وَغَيْرُ الْمُعَيَّنِ يَعْمَلُ عَمَلَ الْمُعَيَّنِ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْقِيَاسِ عَلَى السِّلْعَةِ فَإِنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالْإِجْمَاعِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْغَصْبِ، فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ تَتَعَيَّنُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ أَخَذَ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ فَبَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ صَاعًا آخَرَ بَدَلَهُ مِنْ تِلْكَ الصُّبْرَةِ مَعَ أَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِالتَّعْيِينِ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ الثَّمَنُ بِذِمَّتِهِ فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِهَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِثَمَنٍ مَعْلُومِ الْقَدْرِ، فَإِنْ بَاعَ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ كَبَيْعِ السِّلْعَةِ بِرَقْمِهَا، وَبَيْعِ السِّلْعَةِ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ سِلْعَتَهُ، وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ الْجَهْلِ بِقَدْرِهِ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، فَإِنْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ جِزَافًا جَازَ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَيُكْرَهُ ذَلِكَ، كَمَا قُلْنَا فِي بَيْعِ الصُّبْرَةِ جِزَافًا، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا الْقَطِيعَ، كُلَّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ مَبْلَغَ قُفْزَانِ الصُّبْرَةِ وَعَدَدَ الْقَطِيعِ صَحَّ الْبَيْعُ، لِأَنَّ غَرَرَ الْجَهَالَةِ يَنْتَفِي بِالْعِلْمِ بِالتَّفْصِيلِ، كَمَا يَنْتَفِي بِالْعِلْمِ بِالْجُمْلَةِ، فَإِذَا جَازَ بِالْعِلْمِ بِالْجُمْلَةِ جَازَ بِالْعِلْمِ بِالتَّفْصِيلِ.
الشرح: أَمَّا مَسْأَلَةُ الْقَطِيعِ وَالصُّبْرَةِ وَالْبَيْعِ بِدَرَاهِمَ جِزَافٍ، فَسَبَقَ شَرْحُهُ وَاضِحًا قَرِيبًا فِي مَسَائِلِ الْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَعْلُومِ الْقَدْرِ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّ الْجِزَافَ يُقَالُ - بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا - وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الثَّمَنِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ، لِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا بِدَرَاهِمَ أَوْ بِمَا شِئْتَ أَوْ نَحْوَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا أَيْ بِالثَّمَنِ الَّذِي هُوَ مَرْقُومٌ بِهِ عَلَيْهَا، أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ أَوْ ثَوْبَهُ، فَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِقَدْرِهِ صَحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَطَرِيقَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ أَنَّهُ غَرَرٌ والثاني: حَكَاهُ الْفُورَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا فِيهِ وجهان أصحهما: هَذَا والثاني: إنْ عَلِمَا ذَلِكَ الْقَدْرَ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا مِنْ الْمَجْلِسِ صَحَّ الْبَيْعُ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّهُ يَصِحُّ مُطْلَقًا، لِلتَّمَكُّنِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْت هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَتْ جُمْلَةُ الثَّمَنِ فِي الْحَالِ مَجْهُولَةً، وَهَذَا ضَعِيفٌ شَاذٌّ.
فرع: لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَّا عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ: إنْ عَلِمَا قِيمَةَ الدِّينَارِ بِالدَّرَاهِمِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَّا عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا قَدْرَ الْقِيمَةِ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمَجْهُولِ صَحِيحٌ، هَذَا كَلَامُهُمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكْفِيَ مَعَ عِلْمِهِمَا، بَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ عِلْمِهِمَا بِالْقِيمَةِ قَصْدُهُمَا اسْتِثْنَاءَ الْقِيمَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمَا حَالَةَ الْعَقْدِ قِيمَةَ الدِّينَارِ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ عَلِمَا ذَلِكَ فِي الْحَالِ طَرِيقَتَيْنِ أصحهما: لَا يَصِحُّ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ والثاني: فِيهِ وَجْهَانِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: إذَا بَاعَهُ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ: وَحَكَى الصَّيْمَرِيُّ وَجْهًا أَنَّهُمَا إذَا كَانَا يَعْلَمَانِ قِيمَةَ الدِّينَارِ مِنْ الدَّرَاهِمِ صَحَّ الْبَيْعُ، وَهَذَا الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ الْمَشْهُورُ غَرِيبٌ وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُمَا إذَا عَلِمَا قِيمَتَهُ وَقَصَدَ اسْتِثْنَاءَ