فهرس الكتاب
ج / 10 ص -153- تَبَرَّعَ صَاحِبُ الصُّبْرَةِ الزَّائِدَةِ بِالزِّيَادَةِ جَازَ الْبَيْعُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله: وَمَنْ تَبِعَهُ: وَوَجَبَ عَلَى الْآخَرِ قَبُولُهُ وَعِلَّتُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهِيَ مُصَرِّحَةٌ أَنَّهُ مَلَكَ الْجَمِيعَ بِالْعَقْدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا تَقَدَّمَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَكِنَّهُ فَاتَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا غَرَضٌ.
أَمَّا بَائِعُ الصُّبْرَةِ الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ أَوْرَدَ الْعَقْدَ عَلَى أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لِلصُّبْرَةِ الْأُخْرَى وَقَدْ فَاتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَفَوَاتُ الشَّرْطِ لَا يَقْتَضِي فَسَادَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ أَيْضًا وَمُسَامَحَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا تَحْصُلُ لِغَرَضِ الْآخَرِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ أَنَّهُ مَلَكَ الْجَمِيعَ بِالْعَقْدِ فَارَقَ ذَلِكَ مَسْأَلَةَ الْإِعْرَاضِ بِالنَّقْدِ فَإِنَّ فِيهَا خِلَافًا فِي وُجُوبِ الْقَبُولِ، وَمَسْأَلَةُ إذَا تَرَكَ الْبَائِعُ حَقَّهُ لِلْمُشْتَرِي فِي الثِّمَارِ الْمُخْتَلِطَةِ فَإِنَّ الْمَتْرُوكَ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِلْكُ الْبَائِعِ، فَإِنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ إذَا قُلْنَا بِالْإِجْبَارِ عَلَى الْقَبُولِ أَجْبَرْنَاهُ عَلَى قَبُولِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ امْتَنَعَ وَرَضِيَ صَاحِبُ الصُّبْرَةِ النَّاقِصَةِ بِأَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِهَا مِنْ الصُّبْرَةِ الزَّائِدَةِ جَازَ الْبَيْعُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ تَمَانَعَا فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا لَا لِأَجْلِ الرِّبَا، وَلَكِنْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاعَ صُبْرَتَهُ بِجَمِيعِ صُبْرَةِ صَاحِبِهِ، عَلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمِقْدَارِ فَإِذَا تَفَاضَلَا وَتَمَانَعَا وَجَبَ فَسْخُ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا، هَذِهِ عِلَّةُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْمُصَنِّفِ، وَمُقْتَضَى مَا قَدَّمْتُهُ آنِفًا أَنْ يَثْبُتَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا خِيَارُ الْخُلْفِ، فَإِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فَذَاكَ، وَإِنْ أَصَرَّا عَلَى الطَّلَبِ وَالْمُنَازَعَةِ فُسِخَ بَيْنَهُمَا كَمَا يُفْسَخُ فِي التَّخَالُفِ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ فِيمَا إذَا خَرَجَتَا مُتَفَاضِلَتَيْنِ: فِيهِ قَوْلَانِ أصحهما يَجُوزُ فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَالزِّيَادَةُ غَيْرُ مَبِيعَةٍ وَلِمُشْتَرِيهَا الْخِيَارُ، هَكَذَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ فِيمَا إذَا قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ فَخَرَجَتْ بِخِلَافِهِ.
وَالرَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: أَتَى بِعِبَارَةٍ مُشْكِلَةٍ فَقَالَ: إنَّهُ لَوْ بَاعَ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ بِصُبْرَةِ شَعِيرٍ صَاعًا بِصَاعٍ أَوْ بِصَاعَيْنِ فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ كَانَتَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ خَرَجَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ صَحَّ، وَإِنْ خَرَجَتَا عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ التَّوْزِيعُ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَفِيهِ نَظَرٌ، الْبُطْلَانُ هُنَاكَ مَأْخَذُهُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ بِالْقَوْلَيْنِ، وَأَنَّهُ نَاقِلُ الْجُمْلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ، فِيمَا إذَا قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ أصحهما عِنْدَ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ الْبُطْلَانُ لِأَنَّهُ بَاعَ جُمْلَةَ الصُّبْرَةِ بِالْعَشَرَةِ بِشَرْطِ مُقَابَلَةِ كُلِّ صَاعٍ مِنْهُمَا بِدِرْهَمٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مُحَالٌ وَهَذَا حَاصِلٌ هَاهُنَا وَلَا يَظْهَرُ فَرْقٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مُعَيَّنًا أَوْ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا أَوْ غَيْرَهُ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ الَّتِي جَعَلَهَا صَاحِبُ التَّهْذِيبِ عِلَّةً لِلْبُطْلَانِ هِيَ بِعَيْنِهَا عِلَّةُ الْمُصَنِّفِ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي الْفَسْخِ.
وَاَلَّذِي يَنْبَغِي التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ ذِكْرُ الْكُلِّ فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ، أَوْ فِي مَعْرِضِ تَفْصِيلِ الثَّمَنِ، فَإِنْ خَرَجَ مَخْرَجَ تَفْصِيلِ الثَّمَنِ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ الصُّبْرَةِ كُلُّ صَاعٍ مِنْهَا بِصَاعٍ مِنْهَا،