فهرس الكتاب
ج / 10 ص -154- فَهَذَا تَفْصِيلُ الثَّمَنِ وَالصَّفْقَةُ تَتَعَدَّدُ بِهِ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ مُتَضَمِّنًا لِعَقْدَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ أحدهما: مُقَابَلَةُ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ والثاني: الْمُقَابَلَةُ التَّفْصِيلِيَّةُ، فَيَتَّجِهُ هُنَا الْبُطْلَانُ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ.
وَإِنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ، عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَشْرَةُ آصُعٍ مَثَلًا، فَيَتَّجِهُ هُنَا مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا إلَّا صَفْقَةٌ تَضَمَّنَتْ شَرْطًا وَقَدْ أَخْلَفَ فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ نَبَّهَ النَّوَوِيُّ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَدْرِكًا عَلَى الرَّافِعِيِّ فَنَقَلَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْقَاضِي عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَأَمَّا كَوْنُهُ يُفْسَخُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ التَّمَانُعِ فَنَظِيرُهُ إذَا اشْتَرَى ثَمَرَةً وَلَمْ يَأْخُذْهَا حَتَّى حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى وَاخْتَلَطَتْ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إذَا تَشَاحَّا يَفْسَخُ الْحَاكِمُ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا.
فَرْعٌ: ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مَعَ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَأَطْلَقَهُ وَيَتَعَيَّنُ ذِكْرُهُ هُنَا وَحَمْلُهُ عَلَى الْجِنْسِ بِمَا يُخَالِفُهُ إذَا قَالَ: بِعْتُ مِنْكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ الصُّبْرَةِ عَلَى عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ، فَخَرَجَتْ عَشْرَةَ أَقْفِزَةٍ جَازَ الْعَقْدُ، وَإِنْ خَرَجَتْ أَحَدَ عَشْرَ هَلْ يَجُوزُ الْعَقْدُ أَوْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى الْإِشَارَةِ وَالْعِبَارَةِ:إنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ فَلَا كَلَامَ وإن قلنا: يَصِحُّ فِي الْعَشَرَةِ فَالْقَدْرُ الزَّائِدُ لِمَنْ يَكُونُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّا غَلَّبْنَا الْإِشَارَةَ والثاني: أَنَّهُ لِلْبَائِعِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ سَلَّمَ لَهُ الْمَبِيعَ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ إنْ قُلْنَا: إنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمُشْتَرِي فَهَلْ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ أَوْ لَا؟ الصَّحِيحُ لَا، لِوُجُودِ التَّفْرِيطِ مِنْ جِهَتِهِ فِي تَرْكِ الْمُكَايَلَةِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ لَهُ الْخِيَارُ وَإِنْ قُلْنَا: الزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ظَاهِرَانِ أحدهما: نَعَمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ جَمِيعَ الصُّبْرَةِ والثاني: لَا، لِأَنَّهُ سَلَّمَ لَهُ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعَقْدِ وَهُوَ عَشْرَةُ أَقْفِزَةٍ، فَأَمَّا إذَا خَرَجَتْ تِسْعَةً، فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ قَوْلَانِ إنْ قُلْنَا: يَصِحُّ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ دُونَ الْبَائِعِ، فَإِنْ فَسَخَ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ أَجَازَ فَبِكَمْ يُجِيزُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ والثاني: بِجَمِيعِ الثَّمَنِ - هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: مَفْهُومُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه الْمُتَقَدِّمِ، وَقَوْلُهُ: إنَّمَا يَكُونُ الْخِيَارُ فِيمَا نَقَصَ فِيمَا لَا رِبَا فِيهِ، يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا بَاعَ صُبْرَةً بِغَيْرِ جِنْسِهَا سَوَاءٌ كَانَ طَعَامًا أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مُكَايَلَةً، فَخَرَجَتْ إحْدَاهَا نَاقِصَةً أَنَّهُ يَصِحُّ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ مِنْ الْبُطْلَانِ إذَا قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَخَرَجَتْ نَاقِصَةً أَوْ زَائِدَةً، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ بَاعَ إنَاءَ فِضَّةٍ بِدِينَارٍ، عَلَى أَنَّ وَزْنَهُ مِائَةٌ فَتَفَرَّقَا، وَكَانَ وَزْنُهُ تِسْعِينَ، قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ زَائِدًا فَلَا خِيَارَ لَهُ وَهَلْ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ؟ إذَا قَالَ: عِنْدِي أَنَّ الْوَزْنَ مِائَةٌ فَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُشْتَرِي وَكَانَ عَالِمًا بِهِ فَلَا خِيَارَ، وَإِنْ صَدَّقَهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَإِنْ بَاعَهُ وَأَخْبَرَ أَنَّ وَزْنَهُ مِائَةٌ لَا عَلَى طَرِيقِ الشَّرْطِ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَا خِيَارَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِيمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ بِكَيْلِ الْحِجَازِ وَوَزْنِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ"."