فهرس الكتاب
ج / 10 ص -156- مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى دُونَ مَا يَتَعَامَلُ بِهِ النَّاسُ فِي بِيَاعَاتِهِمْ وَأُمُورِ مَعَاشِهِمْ.
وَقَوْلُهُ:"وَالْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ"يُرِيدُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ خُصُوصًا دُونَ سَائِرِ الْأَوْزَانِ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَزْنَ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ فِي النُّقُودِ دُونَ أَهْلِ مَكَّةَ وَهِيَ دَرَاهِمُ الْإِسْلَامِ الْمُعَدَّلَةِ مِنْهَا الْعَشَرَةُ بِسَبْعَةِ مَثَاقِيلَ، فَإِذَا مَلَكَ رَجُلٌ مِنْهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ مُخْتَلِفَةُ الْأَوْزَانِ فِي بَعْضِ الْبَلَدَانِ وَالْأَمَاكِنِ فَمِنْهَا الْبَغْلِيُّ، وَمِنْهَا الطَّبَرِيُّ، وَمِنْهَا الْخُوَارِزْمِيُّ، وَأَنْوَاعٌ غَيْرُهَا، فَالْبَغْلِيُّ ثَمَانِيَةُ دَوَانِيقَ وَهُوَ نَقْدُ أَهْلِ مَكَّةَ وَوَزْنُهُمْ الْجَائِزُ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَتَعَامَلُونَ بِالدَّرَاهِمِ عَدَدًا وَقْتَ مَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إيَّاهَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ"إنْ شِئْت أَعْدَدْتهَا لَهُمْ"فَأَرْشَدَهُمْ صلى الله عليه وسلم إلَى الْوَزْنِ فِيهَا وَجَعَلَ الْعِيَارَ وَزْنَ أَهْلِ مَكَّةَ دُونَ مَا يَتَفَاوَتُ وَزْنُهُ فِيهَا فِي سَائِرِ الْبَلَدَانِ.
وَأَطَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي تَحْقِيقِ الدَّرَاهِمِ وَضَرْبِهَا ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ:"وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ"فَإِنَّمَا هُوَ الصَّاعُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْكَفَّارَاتِ، وَيَجِبُ إخْرَاجُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ لَهُ، وَتَكُونُ بِقَدْرِ النَّفَقَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِعْيَارٌ، وَلِلنَّاسِ صِيعَانٌ مُخْتَلِفَةٌ فَصَاعُ أَهْلِ الْحِجَازِ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ بِالْعِرَاقِيِّ وَصَاعُ أَهْلِ الْبَيْتِ فِيمَا يَذْكُرُهُ زُعَمَاءُ الشِّيعَةِ تِسْعَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ وَيَنْسُبُونَهُ إلَى جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَصَاعُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَهُوَ صَاعُ الْحَجَّاجِ الَّذِي سَعَّرَ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْأَسْوَاقِ وَلَمَّا وَلِيَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ الْعِرَاقَ ضَاعَفَ الصَّاعَ فَبَلَغَ بِهِ سِتَّةَ عَشْرَ رِطْلًا فَإِذَا جَاءَ بَابُ الْمُعَامَلَاتِ حَمَلْنَا الْعِرَاقِيَّ عَلَى الصَّاعِ الْمُتَعَارَفِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ بِلَادِهِ وَالْحِجَازِيَّ عَلَى الصَّاعِ الْمَعْرُوفِ بِبِلَادِهِ الْحِجَازِ وَكَذَلِكَ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ عَلَى عُرْفِ أَهْلِهِ فَإِذَا جَاءَتْ الشَّرِيعَةُ وَأَحْكَامُهَا فَهُوَ صَاعُ الْمَدِينَةِ1 فَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَتَوْجِيهُهُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ رحمه الله. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَعْنٍ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ، إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ التَّسَاوِيَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْكَيْلِ بِمِكْيَالِ الْمَدِينَةِ وَلَا التَّسَاوِي بِمِيزَانِ مَكَّةَ فِي الْمَوْزُونَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ، بَلْ أَيُّ كَيْلٍ اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَعَرَفَ التَّسَاوِي جَازَ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِيزَانُ مَكَّةَ أَوْ كَيْلُ الْمَدِينَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ اعْتِبَارَ مَكَايِيلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَوَازِينِ أَهْلِ مَكَّةَ لَا تُرَاعَى. وَقَالَ الشَّارِحُونَ لِلْمُهَذَّبِ وَالْأَصْحَابُ: إنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُكَالُ إلَّا بِكَيْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَا يُوزَنُ بِوَزْنِ مَكَّةَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي كَوْنِ الشَّيْءِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا إلَى هَذَيْنِ الْبَلَدَيْنِ، فَكُلُّ مَطْعُومٍ كَانَ أَصْلُهُ بِالْحِجَازِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْكَيْلَ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ وَاللُّوبْيَةِ وَالْبَاقِلَا، قَالَهُمَا صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَاعْتِبَارُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 والعبارة بهذا ينقصها شيء من الترابط والنسق المفيد، ويمكن تقويمها هكذا"فإذا جاءت الشريعة وأحكامها تقرر لكل بلد صاعه المتعارف فيه فهو صاع المدينة في الحكم فهذا هو معنى الحديث الخ".