فهرس الكتاب
ج / 10 ص -157- الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ بِالْكَيْلِ، وَمَا كَانَ أَصْلُهُ بِالْحِجَازِ الْوَزْنَ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنَحْوِهِمَا، فَاعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ بِالْوَزْنِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: فِي بَابِ بَيْعِ الْآجَالِ مِنْ الْأُمِّ: وَأَصْلُ الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ بِالْحِجَازِ، فَكُلُّ مَا وُزِنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَصْلُهُ الْوَزْنُ وَكُلُّ مَا كِيلَ فَأَصْلُهُ الْكَيْلُ وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْهُ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ رُدَّ إلَى الْأَصْلِ. وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله، وَأَنَّهُ إنْ أَحْدَثَ النَّاسُ خِلَافَ ذَلِكَ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ. وَاسْتَدَلَّ لَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَاحْتَجَّ لَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِأَنَّ مَا كَانَ مَكِيلًا مِنْهُ فِي زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ بِتَفَاضُلِ الْكَيْلِ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ يُوزَنُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغَيَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِمَا بَلْ الْحِجَازُ كُلُّهُ كَذَلِكَ وَأَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ذَلِكَ إطْلَاقًا. وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَإِسْمَاعِيلُ الْخُضَرِيُّ شَارِحُ الْمُهَذَّبِ مُبَيَّنًا فَقَالَا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَمَخَالِيفَهُمَا.
وَقَالَ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ تَبَعًا لِلشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِمَا: وَذَكَرَ مِكْيَالَ أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ وَمِيزَانَ الْآخَرِ عَلَى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ بِمَا ذُكِرَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْبَلَدِ الْآخَرِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ الْخَبَرُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ يَعْنِي الْوَجْهَيْنِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمَا أَبُو دَاوُد فِي الْمَتْنِ فِي رِوَايَةِ"وَزْنُ مَكَّةَ وَمِكْيَالُ الْمَدِينَةِ"وَفِي رِوَايَةِ"وَزْنُ الْمَدِينَةِ وَمِكْيَالُ مَكَّةَ"وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسَلَّمَ فِي الْبَلَدَيْنِ جَمِيعًا فَإِنْ كَانَتْ تُكَالُ كَانَتْ الْعَادَةُ فِيهِمَا الْكَيْلُ، وَكَذَلِكَ الْوَزْنُ وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ وَلَا اللُّغَةِ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَأَوْلَى الْعَادَاتِ مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَوْلَى. فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ"الْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ"َاعْتِبَارِ الْوَزْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَعْتَبِرَ الِاكْتِيَالَ بِمِكْيَالِ الْحِجَازِ بَلْ إنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّسَاوِي بِهِ، وَمَتَى تَسَاوَى طَعَامَانِ فِي مِكْيَالٍ، أَيُّ مِكْيَالٍ كَانَ، فَعُلِمَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي مِكْيَالِ الْحِجَازِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كِيلَا بِهِ كَانَا مُسْتَوِيَيْنِ، وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَوَى مَوْزُونَانِ فِي أَيِّ مِيزَانٍ كَانَ فَعُلِمَ أَنَّهُمَا لَوْ وُزِنَا بِمِيزَانِ الْحِجَازِ كَانَا مُسْتَوِيَيْنِ فَهَذَا وَجْهُ تَصْحِيحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَتَكُونُ فَائِدَةُ ذَلِكَ نَفْيَ فَسَادِ الْمَكِيلِ فِي الْوَزْنِ أَوْ الْمَوْزُونِ فِي الْكَيْلِ، وَإِنْ أَرَدْتُ دَفْعَ السُّؤَالِ مَرَّةً فَاجْعَلْ قَوْلَهُ بِكَيْلِ الْحِجَازِ وَوَزْنِهِ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: وَيُكَالُ وَيُوزَنُ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي الْمَذْكُورُ فِي الْفَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ التَّسَاوِي فِي الْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ فِيمَا هُوَ مَكِيلٌ بِالْحِجَازِ أَوْ مَوْزُونٌ بِهِ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ مَكِيلًا بِالْحِجَازِ وَلَا مَوْزُونًا بِهِ فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ، فَهَذَا مَحْمَلٌ سَائِغٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي بِكَيْلِ الْحِجَازِ وَوَزْنِهِ فِيمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مُطْلَقًا لَمْ يَحْسُنْ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ بِالْحِجَازِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ.
وَجَوَّزَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي حَمْلِ الْحَدِيثِ احْتِمَالَيْنِ أحدهما: مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، والثاني: أَنَّهُ لَعَلَّ اتِّحَادَ الْمَكَايِيلِ كَانَ يَعُمُّ فِي الْمَدِينَةِ، وَاتِّحَادَ الْمَوَازِينِ كَانَ يَعُمُّ بِمَكَّةَ، فَخَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى الْعَادَةِ.