فهرس الكتاب

الصفحة 3465 من 4102

ج / 10 ص -158- قلت: وَكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ مُمْكِنٌ، وَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ أَقْرَبُ إلَى تَأْسِيسِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَمَّا انْحِصَارُهُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَلَا يَلْزَمُ بَلْ مِنْ جُمْلَةِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ انْدِرَاجُهَا فِيهِ كُلُّ مَا اُعْتُبِرَ التَّقْدِيرُ فِيهِ بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ فَيُعْتَبَرُ بِهِ فَيَصِحُّ اسْتِدْلَالُ الشَّيْخِ، وَالْمَقْصُودُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِعَادَةِ الْحِجَازِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ. وَأَمَّا كَوْنُ الْمَكِيلِ بِالْكَيْلِ وَالْمَوْزُونِ بِالْوَزْنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُهُ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالسِّرُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا تُجَّارًا لِمَا فِيهِمْ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانُوا أَصْحَابَ النَّخِيلِ وَالْكَيْلِ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ بِكَيْلِ الْحِجَازِ وَوَزْنِهِ، أَيْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ. وَأَمَّا الْعَادَةُ الْحَادِثَةُ بِالْحِجَازِ فِي غَيْرِ زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا اتِّفَاقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَوْ اتَّحَدَ مِكْيَالٌ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ فِي عَصْرِ الشَّارِعِ وَكَانَ يَجْرِي التَّمَاثُلُ بِهِ فَالْوَجْهُ لِلْقَطْعِ بِجَوَازِ رِعَايَةِ التَّمَاثُلِ بِهِ. فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَتَعَهَّدْنَا فِي الْحَدِيثِ إلَّا بِالْكَيْلِ الْمُطْلَقِ فِيمَا يُكَالُ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مِكْيَالًا.

قلت: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا قَدَّمْتُهُ لَكَ مِنْ أَنَّ التَّسَاوِيَ فِي مِكْيَالٍ دَالٌّ عَلَى التَّسَاوِي فِي كُلِّ مِكْيَالٍ تَنَبَّهْت لِذَلِكَ. فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَعْيَانَ الْمَكَايِيلِ، فَإِنَّا إذَا كِلْنَا صَاعًا بِصَاعِ الْمَدِينَةِ وَعَلِمْنَا بِأَنَّ الصَّاعَ يَسَعُ قَدَحَيْنِ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ عَلِمْنَا أَنَّ الصَّاعَ يُسَاوِي الْقَدَحَيْنِ. هَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا وَزَنَّا دِرْهَمًا بِدِرْهَمٍ فِي مِيزَانِ بَعْضِ الْبِلَادِ وَتَسَاوَيَا يَعْلَمُ أَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي جَمِيعِ الْمَوَازِينِ إذَا كَانَتْ كُلُّهَا صَحِيحَةً.

قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: أَجْمَعَ أَئِمَّتُنَا عَلَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ إذَا بِيعَتْ بِالدَّرَاهِمِ وَعُدِّلَتَا بِالتَّسَاوِي فِي كِفَّتَيْ مِيزَانٍ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي مَا تَحْوِيهِ كُلُّ كِفَّةٍ. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي مِكْيَالٍ يَجْرِي الْعُرْفُ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يُعْهَدْ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَوْ بِيعَ مِلْءُ قَصْعَةٍ بِمِلْئِهَا وَمَا جَرَى الْعُرْفُ بِالْكَيْلِ بِأَمْثَالِهَا، فَقَدْ حَكَى شَيْخِي تَرَدُّدًا عَنْ الْقَفَّالِ وَالظَّاهِرُ عِنْدَنَا الْجَوَازُ قلت: هَذَا الَّذِي رَجَّحَهُ الْإِمَامُ هُوَ الرَّاجِحُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ. وَكَذَلِكَ يُكَالُ بِالدَّلْوِ وَالدَّوْرَقِ وَالْجَرَّةِ وَالْجَفْنَةِ وَالزِّمْبِيلِ وَبِحَفْرِ حُفْرَةٍ تُكَالُ فِيهَا. قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

وَمَحِلُّ خِلَافِ الْقَفَّالِ فِي قَصْعَةٍ لَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِالْكَيْلِ بِهَا، أَمَّا قَصْعَةٌ يُعْتَادُ الْكَيْلُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِ الشَّارِعِ فَيَجُوزُ جَزْمًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَفَّالِ وَابْنُ أَبِي الدَّمِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْوَسِيطِ، وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ: وَالْوَزْنُ بِالطَّيَّارِ وَزْنٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لِسَانٌ. وَالِاسْتِوَاءُ يَبِينُ فِيهِ بِتَسَاوِي فَرْعَيْ الْكِفَّتَيْنِ. وَالْوَزْنُ بالقرطستون1 وَزْنٌ قَالَا: وَقَدْ يَتَأَتَّى الْوَزْنُ بِالْمَاءِ بِأَنْ يُوضَعَ الشَّيْءُ فِي ظَرْفٍ وَيُكْفَى عَلَى الْمَاءِ وَيُنْظَرُ إلَى مِقْدَارِ غَوْصِهِ. وَلَكِنَّهُ لَيْسَ وَزْنًا شَرْعِيًّا وَلَا عُرْفِيًّا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 لعله من موازين عصره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت