ج / 10 ص -211- الْعِلْمِ بِالرُّطَبِ عَنْ نُقْصَانِهِ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا حَضَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهُ، وَبِهَذَا صِرْنَا إلَى قِيَمِ الْأَمْوَالِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقَبُولِ مِنْ أَهْلِهَا ومنها: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم نَظَرَ فِي مُتَعَقَّبِ الرُّطَبِ، فَلَمَّا كَانَ يَنْقُصُ لَمْ يُجِزْ بَيْعَهُ بِالتَّمْرِ لِأَنَّ التَّمْرَ مِنْ الرُّطَبِ إذَا كَانَ نُقْصَانُهُ غَيْرَ مَحْدُودٍ، وَقَدْ حَرُمَ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَكَانَتْ فِيهَا زِيَادَةُ بَيَانِ النَّظَرِ فِي الْمُتَعَقَّبِ مِنْ الرُّطَبِ، فَدَلَّتْ عَلَى أَنْ لَا يَجُوزُ رُطَبٌ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ، لِاخْتِلَافِ الْكَيْلَيْنِ، وَكَذَلِكَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ لِأَنَّهُ نَظَرَ فِي الْبُيُوعِ فِي الْمُتَعَقَّبِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَزِيدَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَهُمَا رَطْبَانِ مَعْنَاهُمَا مَعْنًى وَاحِدٌ. وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ قَرِيبًا مِنْ ذَاكَ وَزَادَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقَالَ بَعْضٌ: لَا بَأْسَ بِالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَإِنْ كَانَ الرُّطَبُ يَنْقُصُ إذَا يَبِسَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَخَالَفَهُ صَاحِبُهُ قَالَ: قَوْلُنَا فِي كَرَاهِيَةِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: ثُمَّ عَادَ إلَى مَعْنَى قَوْلِهِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِحِنْطَةٍ رَطْبَةٍ بِحِنْطَةٍ يَابِسَةٍ، وَحِنْطَةٍ مَبْلُولَةٍ بِحِنْطَةٍ مَبْلُولَةٍ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ نُقْصَانًا إذَا يَبِسَ مِنْ الْآخَرِ، وَتَكَلَّمَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى أَيْضًا فِي الْأُمِّ عَلَى قَوْلِ سَعْدٍ فِي الْبَيْضَاءِ وَالسُّلْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ مَعَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله عَلَى ذَلِكَ، لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا خِلَافًا حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، فِيمَا إذَا بَاعَ الرُّطَبَ عَلَى الْأَرْضِ بِالتَّمْرِ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ مُجَلِّيٌّ عَنْ الْإِنَابَةِ لِلْفُورَانِيِّ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكِتَابَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْإِبَانَةِ وَالتَّتِمَّةِ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَمَا دُونِهَا تَخْرِيجًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْعَرَايَا، وَعِبَارَةُ التَّتِمَّةِ مُصَرِّحَةٌ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ الْفُورَانِيِّ مُطْلَقَةً.
وأما الزَّائِدُ عَلَيْهَا فَلْيُفْهَمْ ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا نَقَلَ هَذَا الْخِلَافَ إلَّا مُجَلِّيٌّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَهُوَ مَرْدُودٌ يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ ذَلِكَ وَهْمٌ مِنْهُمَا أَوْ سُوءٌ فِي الْعِبَارَةِ وَإِطْلَاقِهَا، وَلَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إطْلَاقُ عِبَارَةِ الْفُورَانِيِّ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهَا فِي ذَلِكَ فِي فَصْلِ الْعَرَايَا فَكَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً بِخِلَافِهِمَا حَيْثُ تَكَلَّمَا فِي فَصْلِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، مَعَ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ صَرَّحَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: فِي الْكِفَايَةِ أَوْجَبَ الْإِفْهَامَ فِيهِ كَوْنُهُ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ. وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى مَحِلِّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ الصَّحَابَةِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمِنْ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَكِنَّهُ قَالَ: إذَا أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا إذَا تَسَاوَيَا جَازَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد هَكَذَا نَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَمَنْ جِهَةِ أَنَّهُ إنْ بِيعَ مُتَمَاثِلًا فَالْمَنْعُ لِتَحَقُّقِ الْمُفَاضَلَةِ عِنْدَ الْجَفَافِ، وَإِنْ كَانَ التَّمْرُ أَكْثَرَ فَلِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ، وَالتَّخْمِينُ لَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ إلَّا فِي الْعَرَايَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِجَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ دَاوُد مُوَافَقَتَهُ لَهُ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا