فهرس الكتاب

الصفحة 3520 من 4102

ج / 10 ص -212- عَلَى أَنَّ بَيْعَ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: إنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ سَعْدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَحَدٌ وَلَا خَالَفَ أَحَدٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَهَكَذَا يَقُولُهُ فِي كُلِّ فَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ بِيَابِسِهَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ، وَالْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْيَابِسَةِ، وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا أَبُو يُوسُفَ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْإِمْلَاءِ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ وَمُوَافَقَةُ أَبِي يُوسُفَ لَهُ فِي بَقِيَّةِ الْفَوَاكِهِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لَهُ فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لَا وَجْهَ لَهُ، فَمَتَى ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ ثَبَتَ فِيهَا، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْمَذْكُورُ فِي الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْمَاءِ أما الرَّطْبَةُ مِنْ الْأَصْلِ كَالْفَرِيكِ فَلَا يَجُوزُ بِالْيَابِسَةِ، وَلْنَرْجِعْ عَلَى الْكَلَامِ عَلَى الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَمَحِلِّ الْخِلَافِ فِي الرُّطَبِ الْمَقْطُوعِ عَلَى الْأَرْضِ وَاحْتَجَّ الْمُنْتَصِرُونَ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ إمَّا أَنْ يَكُونَا جِنْسًا وَاحِدًا أَوْ جِنْسَيْنِ فَإِنْ كَانَا جِنْسًا وَاحِدًا فَبَيْعُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَا جِنْسَيْنِ فَبَيْعُ جِنْسٍ بِجِنْسٍ آخَرَ أَجْوَزُ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ لَا يَخْفَى. وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ دَخَلَ بَغْدَادَ فَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَانُوا شَدِيدِينَ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْخَبَرَ فَذَكَرَ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ؛ فَأُورِدَ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَعْدٍ فَقَالَ: إنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ. قَالَ شَارِحُ الْهِدَايَةِ مِنْ كُتُبِهِمْ: وَهَذَا الْكَلَامُ حَسَنٌ فِي الْمُنَاظَرَةِ لِدَفْعِ شَغَبِ الْخَصْمِ؛ وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتِمُّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا قِسْمٌ ثَالِثٌ كَمَا فِي الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ؛ يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ التَّرْدِيدِ الْمَذْكُورِ جَازَ فِيهَا، وَلِأَنَّهُ إذَا صَحَّ التَّسَاوِي حَالَ الْعَقْدِ لَمْ يُمْنَعْ تَوَقُّعُ نَقْصٍ يَحْدُثُ فِي الْعَقْدِ كَالتَّمْرِ الْحَدِيثِ بِالتَّمْرِ الْحَدِيثِ أَوْ الْعَتِيقِ وَالسِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ، وَإِنْ كَانَ يَئُولُ إلَى الشَّيْرَجِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ سَعْدٍ بِجَهَالَةِ زَيْدٍ أَبِي عَيَّاشٍ، وَبِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَ نَسِيئَةً، وَقَدْ وَرَدَ ذَاكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَيُحْتَجُّ بِمَفْهُومِهَا، وَيَخُصُّ بِهِ عُمُومَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ الْوَارِدِ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا، وَتُحْمَلُ النَّوَاهِي الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى، مَا إذَا كَانَ الرُّطَبُ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ وَهُوَ الْمُزَابَنَةُ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِعُمُومِ نَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم"عَنْ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ"وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ"التَّمْرُ بِالتَّمْرِ"وَقَالُوا: إنَّ التَّمْرَ اسْمٌ لِثَمَرَةِ النَّخْلِ مِنْ حِينِ يَنْعَقِدُ إلَى أَنْ يُدْرِكَ. وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَالدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ، وَقَدْ وَافَقْنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهَا، فَإِنْ اعْتَذَرُوا بِأَنَّ طَحْنَ الدَّقِيقِ صَنْعَةٌ تُعَارِضُ عَمَلَهَا، لَزِمَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا التَّفَاضُلَ بَيْنَ الدَّقِيقِ وَالْحِنْطَةِ، ثُمَّ إنَّ الصَّنْعَةَ لَا أَثَرَ لَهَا فِي عُقُودِ الرِّبَا وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّسَاوِي حَالَةَ الِادِّخَارِ، وَبِأَنَّ هَذِهِ عِلَّةٌ مُسْتَنْبَطَةٌ، وَعِلَّةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فَكَانَتْ أَوْلَى. وَعَنْ جَهَالَةِ أَبِي عَيَّاشٍ، بِمَا تَقَدَّمَ.

وَعَنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْمَفْهُومِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ تِلْكَ الرِّوَايَةِ، وَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِأَنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِذَلِكَ لَا يَقُولُونَ بِالْمَفْهُومِ؛ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَامَّ الْمَذْكُورَ قَارَنَهُ تَعْلِيلٌ وَهُوَ قَوْلُهُ:"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ"فَصَارَ مَعْنَاهُ خَاصًّا؛ كَأَنَّهُ قَالَ: نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ بَعْدُ، لِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّسَاوِي مَعَ التَّعْلِيلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت