ج / 10 ص -213- الْمَذْكُورِ لَا وَجْهَ لَهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ الْعَامَّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَالْمَفْهُومُ الْمُقَابِلُ لَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُهُ كَالْقِيَاسِ، فَيُسْقِطُهُ لِرُجْحَانِ الْمَنْطُوقِ عَلَيْهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْطُوقِ وَيَتَقَابَلَانِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا الْمَنْطُوقُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ نُطْقٌ خَاصٌّ مَعَهُ تَعْلِيلٌ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ الَّذِي لَا تَعْلِيلَ مَعَهُ هَكَذَا حَكَى هَذَا الْخِلَافَ عَنْ أَصْحَابِنَا وَالْبِنَاءَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ قَائِلٌ بِمُسَاوَاةِ الْمَفْهُومِ لِلْمَنْطُوقِ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ عَنْ التَّعْلِيلِ وَهُوَ غَرِيبٌ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ الْمَنْطُوقَ رَاجِحٌ عَلَى الْمَفْهُومِ نَعَمْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَفْهُومُ خَاصًّا، وَالْمَنْطُوقُ عَامًّا، وَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ وَبَعْضَهُمْ يُسْقِطُ الْمَفْهُومَ؛ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَفْهُومَ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ وَعَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِقَوْلِهِ: الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ بِأَنَّ هَذَا عَامٌّ فِي الرُّطَبِ وَالْيَابِسِ، فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْيَابِسِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا. وَعَنْ قَوْلِهِ"التَّمْرُ بِالتَّمْرِ"كَأَنَّ الرُّطَبَ لَا يُسَمَّى تَمْرًا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ التَّمْرَ فَأَكَلَ الرُّطَبَ لَمْ يَحْنَثْ.
والجواب: عَنْ حَمْلِهِمْ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا كَانَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ لَا يُكَالُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُزَابَنَةَ تَعُمُّ الْقِسْمَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَعَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى بَيْعِ الْحَدِيثِ بِالْعَتِيقِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ مَجْمُوعَةٍ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالْمَحَامِلِيِّ.
أحدها: أَنَّ النَّقْصَ لَا يَقْدَحُ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ كَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ.
الثاني: أَنَّ التَّمْرَ الْحَدِيثَ وَالْعَتِيقَ تَسَاوَيَا فِي حَالَةِ الِادِّخَارِ فَلَا يَضُرُّ النُّقْصَانُ بَعْدَ ذَلِكَ.
والثالث: أَنَّ نُقْصَانَ الْحَدِيثِ يَسِيرٌ وَقَدْ يُعْفَى عَنْ الْيَسِيرِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْحِنْطَةِ تُرَابٌ وَزُوَانٌ يَسِيرٌقلت: وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلِذَلِكَ نَقُولُ: إنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْعَتِيقِ إذَا لَمْ تَبْقَ النَّدَاوَةُ فِي الْحَدِيثِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ دُونَهَا فِي الْمِكْيَالِ. وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْتَرَضَ نَصْرٌ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِخَبَرِ الْمَجْهُولِ فَكَيْفَ يَدْفَعُونَ هَذَا الْخَبَرَ بِهِ أَوْ كَانَ مَجْهُولًا كَمَا ادَّعُوهُ؟ وَعُمْدَتُنَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، فَهُوَ كَافٍ فِي الِاسْتِدْلَالِ مِنْ غَيْرِ شَغَبٍ، وَالْقِيَاسُ عَلَى بَيْعِ الْقَمْحِ بِالدَّقِيقِ، فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوا امْتِنَاعَهُ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ الدَّقِيقَ الَّذِي فِي الْحِنْطَةِ أَكْثَرُ مِنْ الدَّقِيقِ الَّذِي فِي مُقَابِلِهِ لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِبَيْعِ جَيِّدَةٍ بِحِنْطَةٍ ضَامِرَةٍ مَهْزُولَةٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَالدَّقِيقُ فِي الْجَيِّدَةِ أَكْثَرُ، وَلَهُمْ وَلِأَصْحَابِنَا أَجْوِبَةٌ وَأَسْئِلَةٌ ضَعِيفَةٌ يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا، وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ مُقْنِعٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا تَلْتَبِسُ أَيْضًا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ هَلْ هُوَ وُجُوبُ الْمُسَاوَاةِ كَمَا يَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ؟ أَوْ التَّحْرِيمُ حَتَّى تَتَحَقَّقَ الْمُسَاوَاةُ؟ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَاوِي الْحَدِيثِ مَذْكُورٌ فِي بَابِ حَمْلِ الْجِنَازَةِ.
وَقَوْلُهُ:"الْبَيْضَاءُ بِالسُّلْتِ"قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي الْحَدِيثِ تَفْسِيرُ الْبَيْضَاءِ، وَأَنَّهَا الشَّعِيرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّ السُّلْتَ وَالشَّعِيرَ عِنْدَ سَعْدٍ صِنْفٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ