ج / 10 ص -245- وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبْتَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُهَا رُطَبًا"وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ لِلْفُقَرَاءِ جَازَ لِلْأَغْنِيَاءِ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ"."
الشرح: حَدِيثُ سَهْلٍ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَغَيْرُهُمَا، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا"وَلَفْظُ مُسْلِمٍ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ زِيَادَةٌ:"وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ، وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ بِخَرْصِهِ"فَبَعْدَ قَوْلِهِ: الْعَرَايَا. وَاللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَفْظُ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، كَذَلِكَ رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِي السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ، وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ، فِي السُّنَنِ"الْعَرَايَا"وَفِي الْمُسْنَدِ"الْعَرِيَّةُ"وَفِيهِمَا"يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا"وَالْأَهْلُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا هُمْ الْمُشْتَرُونَ بِلَا شَكٍّ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الْأُخْرَى:"يَبِيعُهَا أَهْلُهَا"فَجَعَلَ الْأَهْلَ بَائِعِينَ، وَيَصِحُّ إطْلَاقُ الْأَهْلِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي بَعْدَهُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ:"يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا"لَا يَصِحُّ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْأَهْلِ الْبَائِعِينَ، لِأَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا، بَلْ يَأْخُذُونَ الثَّمَنَ، فَهُوَ عَائِدٌ عَلَى مَعْلُومٍ فِي النَّفْسِ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، أَيْ يَأْكُلُهَا الَّذِينَ يَبْتَاعُونَهَا رُطَبًا.
وَقَدْ يَتَعَسَّفُ مُتَعَسِّفٌ فَيَجْعَلُ الْأَهْلَ فِي قَوْلِهِ: يَبِيعُهَا أَهْلُهَا مَنْصُوبًا وَيَكُونُوا مُشْتَرِينَ لَا بَائِعِينَ، أَيْ يَبِيعُهَا مِنْ أَهْلِهَا، وَيَصِحُّ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ"بَاعَ"لَا يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْخِرْصُ بِالْكَسْرِ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَفِيهَا: أَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِعُمُومِ الرُّخْصَةِ لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُقْتَضَى كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ كَمَا سَتَعْرِفُهُ وَنَسَبَهَا الْمَاوَرْدِيُّ إلَى جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، وَهِيَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ: فِيهَا قَوْلَانِ، وَهِيَ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُصَنِّفُ وَالْعِمْرَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ، وَحَكَاهُمَا الْفُورَانِيُّ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ وَلَا يَجُوزُ لِلْأَغْنِيَاءِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهَذَا نَظَرٌ إلَى حَدِيثِ مَحْمُودٍ1 وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ لَكِنِّي وَجَدْتُ عَلَى حَاشِيَةِ نُسْخَةِ شَيْخِنَا الدِّمْيَاطِيِّ مِنْ الْمُهَذَّبِ إشَارَةٌ بِخَطِّ غَيْرِهِ تَقْتَضِي نِسْبَةَ ذَاكَ إلَى مُسْنَدِ أَحْمَدَ، فَعَلَى هَذَا الْأَغْنِيَاءُ يُشَارِكُونَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُزَابَنَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، الثَّابِتُ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَلَمْ أَرَ هَذَا الْقَوْلَ مَنْصُوصًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلَكِنَّ الْمُزَنِيَّ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ: اخْتَلَفَ مَا وَصَفَ الشَّافِعِيُّ فِي الْعَرَايَا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: إنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْمُحْتَاجُونَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَدَّرَهُ، وَإِنَّمَا الشَّافِعِيُّ تَكَلَّمَ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يعني محمود بن لبيد الذي رواه الشافعي ولم يكن في ش و ق واو العطف في (وقد) .