فهرس الكتاب

الصفحة 3555 من 4102

ج / 10 ص -246- مَالِكٍ حَيْثُ قَالَ ذَلِكَ فِي الْوَاهِبِ يَشْتَرِي الرُّطَبَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: لَا يُمْكِنُكَ عَلَى هَذَا اسْتِعْمَالُ قَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ:"يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا"لِأَنَّ مَنْ يَشْتَرِي الرُّطَبَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَشْتَرِيهِ لِيَأْكُلَهُ مَعَ النَّاسِ، فَإِنَّ جَمِيعَ بُسْتَانِهِ الرُّطَبُ وَإِنَّمَا يَشْتَرِيهِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الْمَضَرَّةَ بِدُخُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى عِيَالِهِ، وَالْخَبَرُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِيَأْكُلَهُ مَعَ النَّاسِ، فَقَصَدَ هَذَا دُونَ تَخْصِيصِ أَهْلِ الْحَاجَةِ بِاتِّبَاعِ ذَلِكَ، وَمَنْعِ الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ صَحِيحٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُزَنِيَّ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ وَالْإِمْلَاءِ، وَاَلَّذِي فِيهِمَا مَا ذُكِرَ دُونَ الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعَ بِقَوْلِ الْجَوَازِ، وَلَا يُعْزَى لِلشَّافِعِيِّ غَيْرُهُ، وَيُجْعَلُ قَوْلُ الْمَنْعِ مَذْهَبًا لِلْمُزَنِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ وَنَبَّهَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: الْأَغْنِيَاءُ لَا يُشَارِكُونَهُمْ فِي الْحَاجَةِ، عَلَى امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ لِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْعِلَّةِ، لَا لِأَجْلِ كَوْنِ ذَلِكَ وَارِدًا عَلَى سَبِيلِ الرُّخْصَةِ، فَإِنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ الْقِيَاسِ فِي الرُّخَصِ إذَا حَصَلَ الِاشْتِرَاكُ فِي الْعِلَّةِ كَغَيْرِهَا، وَسَيَأْتِي فِي تَوْجِيهِ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا يَظْهَرُ بِهِ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الْمُزَنِيّ، وَقَدْ تَلَقَّنَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْأَصْحَابِ فَصَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ وَنَظَرَ فِيهِ إلَى حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ زَيْدٍ، مَعَ أَصْلٍ سَنَذْكُرُهُ عَنْهُ وَجَوَابُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَالْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَاَلَّذِي أَذْهَبُ لَهُ أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ الرُّطَبَ لِلْعَرَايَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَإِنْ كَانَ مُؤَبَّرًا، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جَمَاعَةً جَزَمُوا بِهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ سُلَيْمٌ فِي الْكِفَايَةِ وَغَيْرُهُ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ خِلَافًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَرَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ لِإِرْخَاصِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْعَرَايَا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالضَّرُورَةِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ الرُّطَبَ شَهْوَةً، وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ الضَّرُورَةُ لَرَخَّصَ فِي صَاعٍ وَنَحْوِهِ بِمَا يُزِيلُهَا وَقَدْ أُبِيحَ أَكْثَرُ مِنْهُ.

فَإِنْ قُلْتَ: إذَا كَانَتْ الرُّخْصَةُ مُطْلَقَةً فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مُقَيَّدَةً فِي بَعْضِهَا، فَهَلَّا حَمَلْتُمْ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ؟، قُلْتُ: لَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ وَالتَّقْيِيدَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ فَإِذَا وَرَدَ لَفْظٌ مُطْلَقٌ وَلَفْظٌ مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ لَفْظِيٍّ، فَهُوَ الَّذِي يُحْمَلُ فِيهِ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِشَرْطِهِ، وَأَمَّا هُنَا فَلَيْسَ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ ذِكْرُ قَيْدِ الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا رَخَّصَ لِأَقْوَامٍ، وَقَرِينَةُ الْحَالِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَسُؤَالُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّ عِلَّةَ الرُّخْصَةِ لَهُمْ الْحَاجَةُ، فَإِذَا وَرَدَ التَّرْخِيصُ مُطْلَقًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَجِبْ تَقْيِيدُهَا بِذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي ظَنَنَّاهُ، وَهُوَ الْحَاجَةُ، لَيْسَ1 مُعْتَبَرًا بَلْ كَانَتْ الرُّخْصَةُ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْوَاقِعَةِ، وَغَيْرُهُمْ فِي حُكْمِهِمْ، وَأَمَّا أَنْ تَكُونَ حَاجَتُهُمْ اقْتَضَتْ مَشْرُوعِيَّةَ ذَلِكَ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، فَإِنَّ الْحُكْمَ قَدْ ثَبَتَ عَامًّا لِمَعْنًى مَوْجُودٍ فِي بَعْضِ النَّاسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [لأعراف: من الآية157] وَالْمُرَادُ إمَّا الصَّحَابَةُ وَالْعَرَبُ؛ وَإِمَّا النُّفُوسُ الْكَرِيمَةُ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُمْ بَعْضُ الْأُمَّةِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 كأنه يقول: إذ أنه - أي المعنى المظنون - ليس معتبرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت