ج / 10 ص -247- فَمَا تَنْفِرُ عَنْهُ طِبَاعُهُمْ فَهُوَ الْخَبَائِثُ وَمَا تَمِيلُ إلَيْهِ فَهُوَ الطَّيِّبَاتُ، وَغَيْرُهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ ثَابِتًا لِعِلَّةٍ تُوجَدُ فِي الْكَثِيرِ قَطْعًا، وَتُعْدَمُ فِي الْقَلِيلِ قَطْعًا كَالْإِسْكَارِ، وَقَدْ يَكُونُ ثَابِتًا لِعِلَّةٍ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ زَالَتْ كَالرَّمَلِ الْمَشْرُوعِ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ وَالْقُوَّةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَبَقَاءُ هَذَا الْحُكْمِ لِسَبَبٍ يَخْلُفُ ذَلِكَ السَّبَبَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّا نَتَذَكَّرُ فِي زَمَانِنَا سَبَبَ هَذَا الْفِعْلِ، لِأَنَّ النَّفْسَ طَالِبَةٌ لِلتَّعْلِيلِ، فَنَطَّلِعُ عَلَى السَّبَبِ الْأَوَّلِ، فَنَعْلَمُ حِينَئِذٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَثَّرَنَا بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَأَعَزَّنَا بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَنَتَذَكَّرُ أَحْوَالَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَاءَتْ اسْتِطْرَادًا.
فَإِنْ قُلْتَ: لَمْ يَرِدْ أَيْضًا لَفْظٌ مُطْلَقٌ فِي الرُّخْصَةِ مِنْ الشَّارِعِ حَتَّى يُتَمَسَّكَ بِهِ، وَإِنَّمَا الْأَلْفَاظُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ كُلُّهَا مِنْ الرُّوَاةِ يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا، وَهَذِهِ حِكَايَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ فِيهَا وَلَا إطْلَاقَ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِتِلْكَ الرُّخْصَةِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم لِلْمَحَاوِيجِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِهَا لِغَيْرِهِمْ.
قلت: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا حَكَى وَاقِعَةً بِلَفْظٍ عَامٍّ كَقَوْلِهِ:"نَهَى عَنْ الْغَرَرِ، وَقَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ"وَمَا أَشْبَهَهُ أَنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ، وَأَنَّ الْحُجَّةَ فِي الْمَحْكِيِّ وَالْحِكَايَةِ مَعًا خِلَافًا لِمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ قِصَّةَ الْمَحَاوِيجِ لَمْ يَجُزْ حِكَايَتُهَا بِلَفْظِ الْعُمُومِ، لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ فِي عَرَايَا خَاصَّةٍ لَا فِي كُلِّ الْعَرَايَا، فَلَمَّا أَتَى الرَّاوِي بِلَفْظٍ عَامٍّ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَجَبَ اعْتِقَادُ أَنَّ الْمَحْكِيَّ مُطَابِقٌ لَهُ فِي الْعُمُومِ.
والثاني: أَنَّ مَعَنَا هَاهُنَا قَرِينَةً تُرْشِدُ إلَى أَنَّ الْقِصَّةَ الْمَنْقُولَةَ غَيْرُ قِصَّةِ الْمَحَاوِيجِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:"رُخِّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ"وَتِلْكَ الرُّخْصَةُ لَمْ تَكُنْ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ، بَلْ لِلْمَحَاوِيجِ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَكَثِيرٌ مِنْ الْفَرَائِضِ قَدْ نَزَلَتْ بِأَسْبَابِ قَوْمٍ فَكَانَ لَهُمْ وَلِلنَّاسِ عَامَّةً، إلَّا مَا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أُحِلَّ لِضَرُورَةٍ أَوْ خَاصَّةٍ، وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ ابْتِيَاعُهُ لِلْفَقِيرِ جَازَ لِلْغَنِيِّ كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ، وَقَدْ أَوْرَدَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه قَطَعَ الْقَوْلَ بِالتَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الْمِقْدَارِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ التَّقْيِيدَ الْمَذْكُورَ مِنْ السَّبَبِ فِي حَدِيثِ مَحْمُودٍ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْوِيَةِ أَوْ الْفَرْقِ، وَيُبْنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي دَعْوَى التَّقْيِيدِ بِالْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا التَّقْيِيدُ بِالْمِقْدَارِ فَلِأَنَّ ذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا كَانَ التَّقْيِيدُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَمَلْنَا الْمُطْلَقَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا التَّقْيِيدُ بِالْمَحَاوِيجِ فَلَيْسَ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْتَ: قَرَّرْت أَنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ قَوْلَهُ: رُخِّصَ فِي الْعَرَايَا وَأَمْثَالَهُ عَامٌّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِالْمِقْدَارِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذِكْرًا لِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ، فَتَبْقَى الرُّخْصَةُ عَلَى عُمُومِهَا.