فهرس الكتاب

الصفحة 3557 من 4102

ج / 10 ص -248- قُلْتُ: هَذَا غَيْرُ سُؤَالِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ الَّذِي تَعَرَّضَ لَهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَيْسَ بِذِكْرٍ لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ بَلْ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ:"فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ"وَالْمَفْهُومُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ والثاني: أَنَّا لَوْ أَبَحْنَا الْعَرَايَا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَزَالَ تَحْرِيمُ الْمُزَابَنَةِ، وَجَمِيعُ أَحَادِيثِ الرُّخْصَةِ تَقْتَضِي وُرُودَهَا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، وَلَفْظُ الْعَرِيَّةِ يَنْزِلُ عَلَى انْفِرَادِهَا عَنْ سَائِرِ الْأَشْجَارِ، وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِالْقِلَّةِ وَلَيْسَ فِي جَمِيعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى مِقْدَارٍ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ تَعْمِيمِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ، فَلَمْ يَصُدَّنَا عَنْهُ صَادٌّ، وَلَا فِيهِ مُخَالَفَةٌ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَإِنْ قُلْتَ: فَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَقُولُ فِي الْأُصُولِ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَنْ لَا يَحْمِلَهُ هَاهُنَا، وَتَبْقَى الرُّخْصَةُ عَلَى عُمُومِهَا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ قلت: يَصُدُّ عَنْ ذَلِكَ الْوَجْهُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرْتُهُ الْآنَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَذَاهِبَ الثَّلَاثَةَ الْقَائِلِينَ بِالْعَرَايَا مُتَّفِقُونَ عَلَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، هَذَا كُلُّهُ مَعَ مَا فِي حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ زَيْدٍ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ فِي الِاخْتِصَاصِ بِالْفُقَرَاءِ، مِنْ عَدَمِ الِاتِّصَالِ الْمُوجِبِ لِعَدَمِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَنَى الْغَزَالِيُّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْخَرْصَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، يُقَامُ مَقَامَ الْكُلِّ، أَوَ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَتَّبِعُ مَوْرِدَ النَّصِّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ نُلْحِقُ الْأَغْنِيَاءَ بِهِمْ وَعَلَى الثَّانِي نَتَرَدَّدُ، وَهَذَا كَمَا سَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْإِمَامِ فِي إلْحَاقِ بَقِيَّةِ الثِّمَارِ بِالرُّطَبِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى هُنَاكَ مُتَّجَهٌ، وَأَمَّا هُنَا فَبَعِيدٌ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ بَنَاهُ فِي السِّلْسِلَةِ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي سَيَحْكِيهِ عَنْ الْأَصْحَابِ مِنْ أَنَّ الْعَرَايَا هَلْ أُحِلَّتْ بَعْدَ تَحْرِيمِ الْمُزَابَنَةِ؟ أَمْ لَمْ تَدْخُلْ فِي التَّحْرِيمِ أَصْلًا؟ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

فرع: إذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَمَا ضَابِطُ الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ فِي ذَلِكَ؟ لَمْ يَتَعَرَّضْ أَكْثَرُهُمْ لِذَلِكَ، وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ لَمَّا حَكَى الْقَوْلَيْنِ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَنْ لَا نَقْدَ بِيَدِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ عِبَارَةُ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ: بَيْعُ الْعَرَايَا صَحِيحٌ مِنْ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا نَقْدَ لَهُمْ، يَشْتَرُونَ بِهِ الرُّطَبَ، فَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ فَخِلَافٌ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: قَالَ الْمُزَنِيّ: لَا يَجُوزُ إلَّا لِلْمُعْرَى الْمُضْطَرِّ، وَأَصْحَابُنَا لَمْ يَمْنَعُوا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُمْ خِلَافُ هَذَا الْقَوْلِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا لِإِطْلَاقِ الرُّخْصَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ: مَتَى كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا وَمَعَهُ مِنْ التَّمْرِ مَا يَشْتَرِي بِهِ الْعَرِيَّةَ لَمْ يَجُزْ لَهُ شِرَاؤُهَا بِالتَّمْرِ.

فرع: لَا يُشْتَرَطُ عِنْدَنَا حَاجَةُ الْبَائِعِ إلَى الْبَيْعِ جَزْمًا خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، وَاشْتَرَطَتْ الْحَنَابِلَةُ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ أَنْ يَأْكُلَهَا أَهْلُهَا رُطَبًا، فَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى تَصِيرَ تَمْرًا بَطَلَ الْعَقْدُ، وَنَحْنُ نُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَاشْتَرَطَ الْخِرَقِيُّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ كَوْنَهَا مَوْهُوبَةً مِنْ بَائِعِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ فِيمَا إذَا تَرَكَهَا حَتَّى صَارَتْ تَمْرًا: لَا فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِهِ لِغِنَاهُ عَنْهَا، أَوْ تَرْكِهَا لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَأَخَذُوا فِي ذَلِكَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا"وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ ذِكْرُ الْغَايَةِ الْمَقْصُودَةِ لَا الِاشْتِرَاطُ، وَيَلْزَمُهُمْ عَلَى مَا قَالُوهُ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَأْكُلْهَا بَطَلَ الْعَقْدُ، وَقَدْ سَلَّمُوا أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِتَرْكِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت