ج / 10 ص -251- كَمَا تَقَدَّمَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِصِحَّةِ اللَّفْظَيْنِ عَنْ زَيْدٍ، وَيُحْمَلُ أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَيَكُونُ زَيْدٌ رضي الله عنه لَمَّا فَهِمَ ذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ تَارَةً بِأَوْ وَتَارَةً بِالْوَاوِ، وَهَذِهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ بِالْوَهْمِ مَعَ ثِقَتِهِ وَجَلَالَتِهِ، وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالُ ابْنِ خَيْرَانَ بِهَا عَلَى الْجَوَازِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّعَارُضِ لِقُوَّةِ كُلٍّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَالشَّكُّ فِي ذَلِكَ يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّ الْبَابَ بَابُ رُخْصَةٍ فَمَتَى شَكَّ فِي شَرْطِهَا بَطَلَتْ، وَأَمَّا تَرْجِيحُ رِوَايَةِ خَارِجَةَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ، وَالْأَقْرَبُ الْحُكْمُ بِالتَّعَارُضِ أَوْ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ الطُّرُقِ الْكَثِيرَةِ لِكَثْرَتِهَا وَاعْتِضَادِهَا بِرِوَايَةِ نَافِعٍ، وَأَمَّا حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ فَيُبْعِدُهُ رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ الْمُتَقَدِّمَةُ، الَّتِي فِيهَا تَقْيِيدُ التَّمْرِ بِالْيَابِسِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الرُّطَبَ بِخِلَافِهِ، وَسَنَدُهَا فِي الطَّبَرَانِيِّ جَيِّدٌ.
وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُرَجِّحَاتِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما كَوْنُهُ ثَابِتًا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَرِوَايَةُ خَارِجَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ سَنَدُهَا صَحِيحًا. فَهَذِهِ طَرِيقَةٌ فِي التَّرْجِيحِ يَسْلُكُهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ. هَذَا مَا عِنْدِي فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما الْمَذْكُورُ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنِهِ الْكَبِيرِ وَلَفْظُهُ:"لَا تَتَبَايَعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ، تَمْرَ النَّخْلِ بِتَمْرِ النَّخْلِ"وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّقَفِيِّ لَمْ أَعْرِفْهُمَا. وَقَالَ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ وَهَكَذَا رُوِيَ مُقَيَّدًا يَعْنِي تَمْرَ النَّخْلِ بِتَمْرِ النَّخْلِ فَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله عَلَى اللَّفْظِ الْأَخِيرِ وَهُوَ الْبَدَلُ. وَتَرَكَ الْمُبْدَلَ مِنْهُ. وَهُوَ قَوْلُهُ: التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى.
وأما حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:"لَا تَبِيعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ"فَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى التَّوَقُّفِ فِي هَذَا اللَّفْظِ فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فِيهِمَا فَهُوَ عَلَى الْحَدِيثِ بِدُونِ الزِّيَادَةِ الَّتِي فِيهِ مُبَيَّنَةٌ بِالنَّخْلِ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ؟. أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَبِيعَا خَرْصًا. أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي الْأَرْضِ فَبِيعَ الَّذِي عَلَى النَّخْلِ خَرْصًا بِاَلَّذِي عَلَى الْأَرْضِ كَيْلًا فَالْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْعِمْرَانِيُّ وَالْأَقْرَبُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: الرُّطَبُ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالرُّطَبِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. لِأَنَّهُ قَالَ: هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ إشَارَةٌ إلَى الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَصُورَتُهَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا فِي الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ ثُمَّ ذَكَرَ فَرْعَ جَرَيَانِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى. وَالْأَوْجُهُ الْمَذْكُورَةُ مَشْهُورَةٌ. حَكَاهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ. وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ نَصٌّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ ابْنِ سُرَيْجٍ الْآتِي ذِكْرُهُ وَلَكِنَّهَا أَوْجُهُ الْأَصْحَابِ:
أحدها: أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا أَنْ يُبَاعَ الرُّطَبُ بِالرُّطَبِ خَرْصًا فِيهِمَا، سَوَاءٌ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا أَوْ نَوْعَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ، وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَهُ بِأَوْ، وَكَأَنَّهُ اعْتَقَدَهَا لِلتَّخْيِيرِ، وَقَدْ عَرَفْتَ الْجَوَابَ عَنْهُ جَوَابًا مُتْقَنًا مُحَرَّرًا.
والثاني: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالتَّمْرِ، وَعَزَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ