فهرس الكتاب

الصفحة 3566 من 4102

ج / 10 ص -257- الْعَقْدِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا الْمُرْسَلَ يُعْتَضَدُ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَنَتَكَلَّمُ فِي وَجْهِ الْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا نَتَكَلَّمُ هُنَا فِي الْمُزَابَنَةِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمُزَابَنَةُ فِي اللُّغَةِ الْمُدَافَعَةُ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ الزَّبَانِيَةُ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ إلَى النَّارِ، وَقَالُوا زَبَنَتْ النَّاقَةُ بِرِجْلِهَا إذَا دَفَعَتْ قَالَ الشَّاعِرُ:

وَمُسْتَعْجِبٌ مِمَّا يَرَى مِنْ آياتِنَا وَلَوْ زَبَنَتْهُ الْحَرْبُ لَمْ يَتَعَجَّبْ

فَسُمِّيَ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مُزَابَنَةً؛ لِأَنَّهُ دَفْعُ التَّمْرِ بِاسْمِ الْمُزَابَنَةِ بِالرُّطَبِ، وَبَيْعُهُ لَا يَجُوزُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَإِنَّمَا خَصُّوا بَيْعَ التَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ بِاسْمِ الْمُزَابَنَةِ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ لَا يَخُصُّ الْمَبِيعُ بِكَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ، وَخَرْصُهُ حَدْسٌ وَظَنٌّ مَعْنَى لَا يُؤْمَنُ فِيهِ مِنْ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ، وَهَذَا يَقْضِي أَنَّ الْمُزَابَنَةَ تَخْتَصُّ بِبَيْعِ التَّمْرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ وَهُوَ مُقْتَضَى التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ جَابِرٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مُطْلَقًا يُسَمَّى مُزَابَنَةً، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ الَّذِي ذَكَرْته الْآنَ وَكَذَلِكَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ.

وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ1 فِي الْمُوَطَّأِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَفْسِيرِ الْمُزَابَنَةِ، قَالَ:"الْمُزَابَنَةُ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ كَيْلًا"وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَوْ مُتَقَارِبٌ، وَتَبَيَّنَ إنْ صَحَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّمْرِ الرُّطَبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ رِوَايَةَ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ ثَمَرَتَهُ بِكَيْلٍ إنْ زَادَ فَلِي وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَفْسِيرُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ مَرْفُوعًا، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ، وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ، فَنُسَلِّمُ لَهُ، فَكَيْفَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْجُزَافِ بِالْكَيْلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ الْمَطْعُومِ أَوْ الرُّطَبِ الْيَابِسِ مِنْ جِنْسِهِ، وَالْفَرَقُ مِكْيَالٌ مِنْ الْمَكَايِيلِ يَسَعُ سِتَّةَ عَشْرَ رَطْلًا، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ فَتْحُ الرَّاءِ وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى بِإِسْكَانِهَا حَكَاهَا ابْنُ قَابُوسٍ وَابْنُ سِيدَهْ، وَأَنْكَرَهَا ثَعْلَبٌ فَعَلَى الْمَشْهُورِ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَوْفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَجَمْعُ الْفَرَقِ عَلَى اللُّغَتَيْنِ فُرْقَانٌ كَبَطْنٍ وَبُطْنَانٍ وَحِمْلٍ وَحُمْلَانٍ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي شَرْحِ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ، وَالْوَسْقُ - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ أَصَحُّ - يُجْمَعُ عَلَى أَوْسُقٍ وَأَوْسَاقٍ وَوُسُوقٍ وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ شِمْرٌ: كُلُّ شَيْءٍ حَمَلْتَهُ وَسُقْتَهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْوَسْقُ ضَمُّكَ الشَّيْءَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الْوَسْقُ حِمْلُ بَعِيرٍ، وَقِيلَ: هُوَ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقِيلَ: هُوَ الْعِدْلُ وَقِيلَ الْعِدْلَانِ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ: لَا خِلَافَ أَنَّ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: إنَّهُ يَمْضِي إذَا وَقَعَ، قَالَ: وَلَوْ جُوِّزَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لَكَانَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ورد في ش و ق بدون تصغير وهو يحيى بن عبد الله بن بكير وهو شيخ البخاري وطريقه إلى مالك ضمن مشايخ البخاري من أصحاب مالك متأخرا عنهم (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت