فهرس الكتاب
ج / 10 ص -258- أَقْيَسَ يَعْنِي إذَا اشْتَرَاهَا بِخَرْصِهَا نَقْدًا؛ لِأَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ الْخَمْسَةُ الْأَوْسُقِ فَمَا دُونَهَا تُبَاعُ بِالسِّتَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي اقْتِضَاءِ جَوَازِهَا لِلْأَغْنِيَاءِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مِنْ جِهَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَجَوَابُهُ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ. وَالنَّصُّ الصَّرِيحُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَالْمُضِرُّ فِيهِ أَنَّهُ بَيْعُ طَعَامٍ بِجِنْسِهِ، مَجْهُولِ التَّسَاوِي وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ رُخْصَةٌ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَتْ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْمُحَاقَلَةُ لِلنَّصِّ وَالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَمَعْنًى آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ بَيْعُ طَعَامٍ وَتِبْنٍ بِطَعَامٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَأَيْضًا لِأَنَّ مِنْ دُونِهِ حَائِلًا، قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْأَصْحَابُ وَلَيْسَ هَذَا مَحِلَّ الْكَلَامِ عَلَى الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُخَابَرَةِ وَإِنَّمَا نَتَكَلَّمُ هُنَا فِي الْمُزَابَنَةِ.
فَائِدَةٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُحَاقَلَةِ وَالْعَرَايَا حَيْثُ جُوِّزَ فِي الْعَرَايَا فِي الْقَلِيلِ، وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمُحَاقَلَةِ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْحَاجَةُ إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ حَالَ كَوْنِهِ رُطَبًا بِخِلَافِ السُّنْبُلِ فَإِنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لَا يَصِحُّ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا أَبْطَلْتُمُوهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ، وَجَوَّزْتُمُوهُ فِي الْخَمْسَةِ قِيلَ: لِأَنَّهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْخَمْسَةِ قَدْ صَارَ مُزَابَنَةً، وَالْمُزَابَنَةُ كُلُّهَا فَاسِدَةٌ وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يَشْفِي، فَإِنَّ الْخَمْسَةَ إذَا كَانَتْ جَائِزَةً فَضُمَّتْ مَعَ غَيْرِهَا فَالْقِيَاسُ تَخْرِيجُهُ عَلَى تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ قَدْ اُسْتُثْنِيَ مِنْهَا مِقْدَارُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَعَلَّ مَأْخَذَ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ الِاحْتِيَاطُ فِي عُقُودِ الرِّبَا، وَأَنَّهُ بِالزِّيَادَةِ صَارَ الْعَقْدُ رِبًا وَالرِّبَا حَرَامٌ، بِخِلَافِ عَقْدٍ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ وَرَدَّ عَلَى مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ؟ فَلَا يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ الْمُطْلَقَةِ وَلَا بِالْحِلِّ الْمُطْلَقِ بَلْ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَجُوزُ حَلَالٌ وَإِلَى غَيْرِهِ حَرَامٌ. وَأَمَّا عُقُودُ الرِّبَا فَحَرَامٌ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، بَلْ إلَى نَفْسِ تِلْكَ الْمُقَابَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ وَفَّى الْجُورِيُّ بِمُقْتَضَى التَّخْرِيجِ وَحَكَى قَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا عَقَدَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ: أحدهما: لَا كَمَنْ نَكَحَ أُخْتَيْنِ. والثاني: يَصِحُّ فِي الْخَمْسَةِ وَيَبْطُلُ فِي الزَّائِدِ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ1، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَالْمُحَاقَلَةَ بَيْعُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ. ثُمَّ إنَّ سَائِرَ الثَّمَرِ فِي شَجَرِهَا بِجِنْسِهَا لَا يَجُوزُ، وَسَائِرَ الزَّرْعِ فِي سُنْبُلِهِ كَذَلِكَ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى مَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ هَلْ ذَلِكَ لِدُخُولِهَا فِي اسْمِ الْمُزَابَنَةِ أَوْ قِيَاسًا عَلَيْهَا؟ فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ذَلِكَ لِدُخُولِ سَائِرِ الثِّمَارِ فِي اسْمِ الْمُزَابَنَةِ، وَسَائِرِ الزَّرْعِ فِي اسْمِ الْمُحَاقَلَةِ، فَكَانَ تَحْرِيمُهُ نَصًّا لَا قِيَاسًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّصَّ فِي الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ يَخْتَصُّ بِالْحِنْطَةِ وَالنَّخْلِ، وَسَائِرُ الزُّرُوعِ مَقِيسَةٌ عَلَى الْحِنْطَةِ فِي الْمُحَاقَلَةِ، وَسَائِرُ الثِّمَارِ مَقِيسَةٌ عَلَى النَّخْلِ فِي الْمُزَابَنَةِ، فَكَانَ تَحْرِيمُهُ قِيَاسًا لَا نَصًّا.
قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ: الْمُحَاقَلَةُ بَيْعُ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ مَا يَعْقِدُ الْحَبُّ بِالْحِنْطَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بياض بالأصل (ش) قلت: وتقديره وللمشتري الخيار في الزائد ولا خيار في الخمسة لصحة العقد أو الخيار في الصفقة كلها لطروء الزيادة على العقد فلا نبطله وإنما نثبت للمشتري الخيار (ط) .