فهرس الكتاب
ج / 10 ص -260- وَإِذَا كَانَتْ سِتَّةَ عَشْرَ وَسْقًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَبَاعَهَا مِنْ رَجُلَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاعَ حَقَّهُ، وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَوْسُقٍ مِنْ رَجُلَيْنِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ بَاعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ، وَبِذَلِكَ كُلِّهِ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِيهِ، وَفَرَضَهَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي عِشْرِينَ وَسْقًا إلَّا مُدًّا وَهُوَ أَبْلَغُ فِي التَّمْثِيلِ. وَنَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ خِلَافَ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ قَالَ: لِأَنَّ الْبَائِعَ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ أَكْثَرَ مِنْ عَرِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَعِنْدَنَا يَجُوزُ.
فرع: إذَا بَاعَ رَجُلَانِ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَرَاوِزَةِ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ، كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ جَزْمًا، وَفِي تَعَدُّدِهَا بِتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي وَجْهٌ، وَقَدْ جَزَمْنَا بِأَنَّهُ هُنَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسَةِ عِنْدَ تَعَدُّد الْمُشْتَرِي وَاتِّحَادِ الْبَائِعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْبَائِعِ وَاتِّحَادِ الْمُشْتَرِي أَوْلَى بِالْجَوَازِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِطَرِيقِ الْخَرْصِ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَهُوَ يُخَالِفُ مَقْصُودَ الْخَبَرِ، وَفَرَّقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ حَيْثُ يُلَاحَظُ فِيهِ التَّعَدُّدُ وَالِاتِّحَادُ بِأَنَّ الْمَبِيعَ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ دَفْعَةً، فَلَوْ رَجَعَ إلَيْهِ بَعْضُهُ لَكَانَ خَارِجًا بِعَيْبٍ عَائِدًا بِعَيْبَيْنِ، وَإِذَا تَعَدَّدَ الْبَائِعُ يَرُدُّ الْمُشْتَرِي تَمَامَ مِلْكِ أَحَدِهِمَا عَلَيْهِ لَمْ يَتَضَمَّنْ تَنْقِيصًا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، وَالْمَقْصُودُ فِي الْعَرَايَا أَنْ لَا يَمْلِكَ الرَّجُلُ دَفْعَةً وَاحِدَةً خَمْسَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعَّفَهُ الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ، وَمِمَّنْ رَجَّحَ الْجَوَازَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْعِمْرَانِيُّ.
فرع: فَلَوْ بَاعَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ أَرْبَعَةٍ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ - إنْ جَوَّزْنَا الْعَرَايَا فِي خَمْسَةٍ -، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَسَوَاءٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَانَتْ الْعُقُودُ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ حَتَّى لَوْ بَاعَ الرَّجُلُ أَلْفَ وَسْقٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِصَفَقَاتٍ، كُلُّ وَاحِدٍ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ جَازَ.
فرع: لَوْ بَاعَ الزَّرْعَ قَبْلَ بُدُوِّ الْحَبِّ فِيهِ بِالْحِنْطَةِ جَازَ، فَإِنَّ الزَّرْعَ حَشِيشٌ بَعْدُ، غَيْرُ مَعْدُودٍ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ، قَالَهُ الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ، وَكَذَلِكَ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: يَجُوزُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَفَرَضَهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَشْتَدَّ الْحَبُّ، وَهُوَ مُرَادُ الْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ. وَقَالَ: سَوَاءٌ تَسَنْبَلَ أَمْ لَمْ يَتَسَنْبَلْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ إطْلَاقُ تَفْسِيرِ الْمُزَابَنَةِ بِالزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ وَإِلَّا حَرُمَ، قَالَ الْإِمَامُ وَجَمَاعَةٌ: إنَّ مَعْنَاهَا الْحَبُّ فِي السُّنْبُلِ بِالْحِنْطَةِ لَكِنْ قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ: إنَّهُ يَجُوزُ إذَا تَسَنْبَلَ، مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ بَيْعُ قَمْحٍ رَطْبٍ مُسْتَتِرٍ مَعَ تِبْنِهِ بِقَمْحٍ وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْفَسَادِ، وَالرَّافِعِيُّ قَالَ: قَبْلَ ظُهُورِ الْحَبِّ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
فرع: حَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ رحمه الله - أَنَّهُ فَسَّرَ الْمُزَابَنَةَ بِأَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ صُبْرَةٌ مِنْ طَعَامٍ فَيَقُولَ لَهُ رَجُلٌ: فِي صُبْرَتِك سِتُّونَ وَسْقًا، فَيَقُولُ صَاحِبُ الصُّبْرَةِ: لَيْسَ فِيهَا سِتُّونَ وَسْقًا، فَيَقُولُ لَهُ الْحَازِرُ نُكَيِّلُهَا فَإِنْ نَقَصَتْ تَمَّمْتهَا، وَإِنْ زَادَتْ أَخَذْتُ الزِّيَادَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأُمِّ وَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ قِمَارٌ مُخَاطَرَةٌ وَلَيْسَ بِعَقْدٍ، وَإِنَّهُ مِنْ بَابِ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ: عُدَّ قِثَّاءَك أَوْ بِطِّيخَك أَوْ اطْحَنْ حِنْطَتَك فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا فَلِي، وَمَا نَقَصَ فَعَلَيَّ، وَكَذَلِكَ - فِيمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ - لَوْ أَخَذَ ثَوْبًا لِرَجُلٍ فَقَالَ: أَنَا أَقْطَعُهُ لَك قَمِيصًا، فَإِنْ نَقَصَ غَرِمْته وَإِنْ