فهرس الكتاب
ج / 10 ص -300- الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَأَمَّا خَلُّ الزَّبِيبِ فَلَا خَيْرَ فِي بَيْعِهِ بِبَعْضٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمَاءَ يَقِلُّ فِيهِ وَيَكْثُرُ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى الثَّانِيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ؛ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ حُكْمًا وَتَعْلِيلًا، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرَّافِعِيُّ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، سَوَاءٌ قُلْنَا: الْمَاءُ رِبَوِيٌّ أَوْ لَا، لِأَنَّ الْجِنْسَ مُتَّحِدٌ وَالْمُمَاثَلَةَ فِيهِ مَجْهُولَةٌ، وَكَذَلِكَ خَلُّ الرُّطَبِ بِخَلِّ الرُّطَبِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْمَاءِ. وَلَيْسَ كَخَلِّ الْعِنَبِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ لَكِنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ فِي السِّلْسِلَةِ جَزَمَ بِالْجَوَازِ فِي خَلِّ الرُّطَبِ بِخَلِّ الرُّطَبِ، وَكَذَلِكَ الرَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ، فَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا، بَلْ كَانَ خَلُّ الرُّطَبِ بِغَيْرِ مَاءٍ، وَإِنْ أَمْكَنَ كَمَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَصَارَ كَخَلِّ الْعِنَبِ، وَإِنْ فِيهِ مَاءٌ فَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ: خَلُّ الزَّبِيبِ بِخَلِّ التَّمْرِ جَزَمَ الصَّيْمَرِيُّ بِجَوَازِهِ وَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حُكْمًا وَبِنَاءً، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَعَلَّلَهُ الْمَحَامِلِيُّ بِمَا عَلَّلَهُ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَعَلَّلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِأَنَّهُ بَيْعُ مَاءٍ وَشَيْءٍ بِمَاءٍ وَشَيْءٍ.
فَإِنْ قُلْتَ: تَعْلِيلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا تَعْلِيلُ الْمُصَنِّفِ بِالْجَهْلِ بِتَمَاثُلِ الْمَاءَيْنِ فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْمَاءَيْنِ لَوْ كَانَا مَعْلُومِي التَّسَاوِي صَحَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ رِبَوِيٌّ فَلَا يَجُوزُ لِقَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، فَلَوْ عَلَّلَ بِمَا عَلَّلَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ كَانَ أَوْلَى، عَلَى أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَارِدٌ عَلَيْهِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ، وَهَذَا السُّؤَالُ الْمُلَقَّبُ فِي عِلْمِ النَّظَرِ بِعَدَمِ التَّأْثِيرِ؛ وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ بِدُونِ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلَّةً قلت: بَلْ مَا فَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ أَوْلَى لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالْمُمَاثَلَةِ هِيَ الْعِلَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْبُطْلَانِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَقَاعِدَةُ مُدِّ عَجْوَةٍ إنَّمَا بَطَلَتْ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا لَا1 كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَإِمَّا أَنْ يَقُولَ بِذَلِكَ فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ وَإِمَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِوُرُودِهِ فَجَوَابُهُ أَنَّ التَّأْثِيرَ إنَّمَا يَلْزَمُ فِي قِيَاسِ الْعِلَّةِ، أَمَّا فِي قِيَاسِ الدَّلَالَةِ فَلَا، كَمَا أَنَّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ النَّظَرِ؛ وَقِيَاسُ الدَّلَالَةِ الَّذِي لَا يُدَّعَى فِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ بِذَلِكَ الْوَصْفِ؛ وَإِنَّمَا يُدَّعَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ دَلِيلٌ عَلَى الْحُكْمِ لَكِنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُنَا ظَاهِرٌ فِي الْقَلِيلِ، فَالْأَوْلَى دَفْعُ السُّؤَالِ بِمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ أَوَّلًا، أَوْ نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ سُؤَالُ الْعَكْسِ، وَهُوَ وُجُودُ مِثْلِ الْحُكْمِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ، وَيَمْنَعُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ عَدَمِ التَّأْثِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي سَلَكَهَا الْمُصَنِّفُ مِنْ الْبِنَاءِ هِيَ الصَّحِيحَةُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَقَدْ قِيلَ شَيْءٌ عَنْ هَذَا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ: يَعْنِي ذَلِكَ الْقَائِلَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا: فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَلَا بَأْسَ، يَقْتَضِي أَنْ لَا رِبَا فِي الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْصَلْ. وَإِلَّا فَلَيْسَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الرِّبَا لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ قُلْنَا: لَا رِبَا فِي الْمَاءِ جَازَ"إلَى آخِرِهِ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بياض بالأصل فحرر (ش) قلت: ولعل السقط"لا على ثبوت الجهل بالمماثلة" (ط) .