فهرس الكتاب

الصفحة 3623 من 4102

ج / 10 ص -314- الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: بَيْعُ اللَّبَنِ بِالزُّبْدِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَلَا خَيْرَ فِي زُبْدِ غَنَمٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ،؛ لِأَنَّ الزُّبْدَ شَيْءٌ مِنْ اللَّبَنِ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ مَعْنَى ذَلِكَ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الزُّبْدَ شَيْءٌ مِنْ اللَّبَنِ، يَعْنِي فَإِذَا بَاعَهُ بِاللَّبَنِ وَاللَّبَنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الزُّبْدِ فَيَكُونُ قَدْ بَاعَ زُبْدًا بِزُبْدٍ مُتَفَاضِلًا، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ:؛ لِأَنَّ فِي الزُّبْدِ شَيْئًا مِنْ اللَّبَنِ يَعْنِي فَيَكُونُ بَيْعُ لَبَنٍ بِلَبَنٍ مُتَفَاضِلًا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ: وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ: وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو إِسْحَاقَ ذَلِكَ فِي الشَّرْحِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِبَيْعِ اللَّبَنِ بِاللَّبَنِ فَإِنْ قِيلَ: فَاللَّبَنُ بِاللَّبَنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا زُبْدٌ فَهَلَّا امْتَنَعَ؟ فَالْجَوَابُ عَنْهُ كَمَا قِيلَ فِي بَيْعِ السِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الشَّيْرَجِ بِالسِّمْسِمِ، فَإِنَّ الْجَوَابَ مَذْكُورٌ عَنْهُمَا مَعًا، كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: بَيْعُ اللَّبَنِ بِالسَّمْنِ لَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ مِنْهُمْ1 الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالرَّافِعِيُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ: وَهَاهُنَا يَبْطُلُ تَعْلِيلُ أَبِي إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ لَجَازَ هَاهُنَا، وَهَذَا الْإِلْزَامُ نَزَلَ عَلَى أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ غَيْرُ مُخَالِفٍ فِي ذَلِكَ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ: وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ أَبُو إِسْحَاقَ هَاهُنَا: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بِالسَّمْنِ، وَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، قَالَ الْإِمَامُ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ اللَّبَنَ فِي حُكْمِ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَا اخْتِلَاطَ فِيهِ، فَجَوَّزُوا بَيْعَ اللَّبَنِ بِالسَّمْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّبَنَ جِنْسٌ وَاحِدٌ قلنا: هَذَا فِيهِ بَعْضُ الْغُمُوضِ مِنْ طَرِيقِ التَّعْلِيلِ، وَلَكِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي مَعْنَاهُ بَيْعُ السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ مَعَ تَجْوِيزِ بَيْعِ السِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ، وَأَقْصَى الْمُمْكِنِ فِيهِ أَنَّ اللَّبَنَ إذَا قُوبِلَ بِالسَّمْنِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُخَالِفًا لِلسَّمْنِ، فَإِنَّمَا يُجَانِسُهُ بِمَا فِيهِ مِنْ السَّمْنِ لَا بِصُورَتِهِ وَطَعْمِهِ، وَإِذَا اعْتَبَرْنَا السَّمْنَ اُنْتُظِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَبِيعُ سَمْنًا بِسَمْنٍ وَمَخِيضٍ، فَأَمَّا اللَّبَنُ بِاللَّبَنِ فَيُعْتَمَدُ تَجَانُسُ اللَّبَنِ فِي صِفَتِهِ النَّاجِزَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ تُحْوِجُ إلَى تَقْدِيرِ تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ.

قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي بَيْعِ السَّمْنِ بِالشَّيْرَجِ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الضَّرُورَةُ الدَّاعِيَةُ إلَى تَقْدِيرِ تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ عِنْدَ مُقَابَلَةِ اللَّبَنِ بِالسَّمْنِ؟ وَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ؟ لَأَحْوَجَ إلَى جَوَابٍ غَيْرِ هَذَا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: بَيْعُ اللَّبَنِ بِالْمَخِيضِ، وَهُوَ الرَّدْغِ الَّذِي اُسْتُخْرِجَ مِنْهُ الزُّبْدُ، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ لَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ، وَالْمُصَنِّفُ أَفْرَدَهُ بِالْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَبْعَدٌ أَنْ يُقَالُ: إنَّ الْمَخِيضَ مُتَّخَذٌ مِنْ اللَّبَنِ، بَلْ هُوَ نَفْسُ اللَّبَنِ نُزِعَ مِنْهُ الزُّبْدُ، لَا سِيَّمَا عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ أَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ اللَّبَنِ، وَجَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْرَجِ مَعَ السِّمْسِمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَخِيضِ، فَلِهَذَا أَفْرَدَهُ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ صَنَعَ كَمَا صَنَعَ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ أَيْضًا: وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكُسْبِ بِالسِّمْسِمِ، وَإِنْ كَانَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي بَيْعِ اللَّبَنِ بِالزُّبْدِ لَا يَجْعَلُ لِلزُّبْدِ الْكَامِنِ فِي اللَّبَنِ حُكْمًا فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُجَوِّزَ اللَّبَنَ بِالْمَخِيضِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي اللَّبَنِ بِالزُّبْدِ، فَيَرِدُ عَلَيْهِ هُنَا كَمَا وَرَدَ عَلَيْهِ فِي اللَّبَنِ بِالسَّمْنِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 بياض بالأصل فحرر ش ولعل السقط:"الشيخ أبو حامد" (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت