فهرس الكتاب
ج / 10 ص -332- قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي ذَلِكَ: إنْ قُلْنَا: إنَّ السَّمَكَ يُسَمَّى لَحْمًا فَإِنْ رَاعَيْنَا الْخَبَرَ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ رَاعَيْنَا الْمَعْنَى يَخْرُجُ عَلَى وَجْهَيْنِ، يَعْنِي فِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَإِنْ قُلْنَا: السَّمَكُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا جَازَ، سَوَاءٌ رَاعَيْنَا الْخَبَرَ أَوْ الْمَعْنَى، وَهَذَا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ، أَعْنِي مَا سَلَكَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَحِينَئِذٍ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَحْمٌ، أَيْ لَا يَدْخُلُ السَّمَكُ فِي اسْمِ اللَّحْمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: إنْ بَاعَ لَحْمًا بِسَمَكَةٍ حَيَّةٍ أَوْ لَحْمَ السَّمَكِ بِحَيَوَانٍ حَيٍّ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ اللُّحُومِ كَانَ كَلَحْمِ غَنَمٍ بِبَقَرٍ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، لِوُقُوعِ اسْمِ اللَّحْمِ وَالْحَيَوَانِ عَلَيْهِ.
فرع: بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْعَظْمِ جَائِزٌ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَكَذَلِكَ اللَّبَنُ بِالْحَيَوَانِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَأَيْضًا قَالَ فِي اللُّبَابِ: وَأَوْرَدَ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّ اللَّبَنَ يُسَمَّى لَحْمًا، رُوِيَ أَنَّ نَبِيًّا شَكَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى الضَّعْفَ فَأَوْحَى إلَيْهِ أَنْ كُلْ اللَّحْمَ بِاللَّحْمِ يَعْنِي اللَّحْمَ بِاللَّبَنِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يُطْعِمُهَا اللَّحْمَ إذَا عَزَّ الشَّجَرْ وَالْخَيْلُ فِي إطْعَامِهَا اللَّحْمَ ضَرَرْ
يَعْنِي أَنَّهُ يُطْعِمُهَا اللَّبَنَ عِنْدَ عِزَّةِ الْمَرْعَى، وَأَجَابَ بِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْعَرَبِ اللَّبَنَ لَحْمًا اسْتِعَارَةٌ وَمَجَازٌ، لَا حَقِيقَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّبَنِ مُتَفَاضِلًا؟ وَلَا يَحْنَثُ بِاللَّبَنِ إذَا حَلَفَ عَلَى اللَّحْمِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَفِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ قَوْلَانِ: أحدهما: لَا يَجُوزُ لِلْخَبَرِ والثاني: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِثْلُهُ فَجَازَ بَيْعُهُ بِهِ كَاللَّحْمِ بِالثَّوْبِ".
الشرح: الْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرَّافِعِيُّ وَالْقَفَّالُ وَالْفُورَانِيُّ، وَصَرَّحَ الْمَحَامِلِيُّ أَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمَا، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِيمَا عَلَّقَ عَنْهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَنَّ قَوْلَ الْمَنْعِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الصَّرْفِ، قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ: الْقِيَاسُ الْجَوَازُ، وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ: إنَّ قَوْلَ الْجَوَازِ قَالَهُ الرَّبِيعُ، وَإِنَّ قَوْلَ الْمَنْعِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ: إنَّ الْأَصَحَّ الْمَنْصُوصُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَا يَجُوزُ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ قلت: قَوْلُهُ: إنَّهُ الْمَنْصُوصُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ يَعْنِي كُتُبَ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ مَنْصُوصًا فِي الْأُمِّ مِنْ بَيْعِ الْآجَالِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: سَوَاءٌ كَانَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لَا يُؤْكَلُ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْقَفَّالِ الْمَنْعُ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَقَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: رَجَّحَ مِنْهُمَا الْمَنْعَ إشَارَةً إلَى تَرْجِيحِ الْقَفَّالِ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الصَّيْمَرِيُّ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ، وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي: إنَّهُ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ، أَعْنِي الصِّحَّةَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي الْبُوَيْطِيِّ فِي بَابِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ: وَلَا بَأْسَ مِنْ أَنْ يُبَاعَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الْأَحْيَاءِ بِاللَّحْمِ الْمَوْضُوعِ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ أَيْضًا: وَقَدْ قِيلَ: وَلَا يُبَاعُ لَحْمٌ بِحَيَوَانٍ مِمَّا يُؤْكَلُ، وَمِمَّا لَا يُؤْكَلُ، دَلِيلُ تَرْجِيحِهِ، وَبَيْنَ الْقَوْلَيْنِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِهِ الْخَبَرُ الَّذِي قَدَّمْتُهُ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ خَبَرُ سَعِيدٍ الْمُرْسَلُ عَلَى أَثَرِ أَبِي بَكْرٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ،