فهرس الكتاب
ج / 10 ص -333- وَإِنَّمَا احْتَجَّ بِذَلِكَ لِاعْتِضَادِهِ بِالْأَثَرِ، وَاَلَّذِي عَضَّدَهُ الْأَثَرُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ فِي بَيْعِ الْعَنَاقِ بِلَحْمِ الْجَزُورِ وَهُمَا مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُمَا، فَتَبْقَى دَلَالَةُ الْمُرْسَلِ عَلَى غَيْرِ الْمَأْكُولِ مُجَرَّدَةً عَمَّا يُعَضِّدُهَا، وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُتَمَسَّكَ بِدَلِيلٍ فِي بَعْضِ مَدْلُولِهِ تَعَاضُدٌ، مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ وَشِرَائِهِ الشَّاتَيْنِ بِدِينَارٍ، وَبَيْعِهِ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَعُمِلَ بِهِ فِي الْحُكْمِ الْمُوَافِقِ لِلْقِيَاسِ دُونَ الْمُخَالِفِ لَهُ لِمَا كَانَ مُرْسَلًا، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
إلَّا أَنَّا نَقُولُ: إنَّ الِاعْتِضَادَ وَإِنْ امْتَنَعَ بِالْأَثَرِ فَهُوَ حَاصِلٌ بِأُمُورٍ أُخْرَى منها: قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَانْتِشَارُهُ فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ دَافِعٍ، وَالْقِيَاسُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ، فَلِهَذَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِالْخَبَرِ عَلَى مَا تَمَهَّدَ أَوَّلًا، وَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْتُهُ هُنَاكَ، فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى الِاعْتِضَادِ بِالْأَثَرِ، وَلَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ، وَلَوْ ثَبَتَ اتِّصَالُهُ وَصِحَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَرَدَ فِي بَيْعِ الشَّاةِ بِاللَّحْمِ، وَالشَّاةُ مَأْكُولَةٌ فَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ عُمُومٌ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْحَيَوَانُ غَيْرُ الْمَأْكُولِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ أَثَرَ أَبِي بَكْرٍ عَضَّدَهُ فِي مَنْعِ بَيْعِهِ بِالْمَأْكُولِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَالْمَعْنَى الَّذِي قَدْ يُتَخَيَّلُ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الرِّبَا مُنْدَفِعٌ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَلَمْ يَظْهَرْ مَعْنًى آخَرُ يُعَلَّلُ بِهِ فَكَانَ التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ الْخَبَرِ أَوْلَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يَكُونُ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ حَيٌّ بِمَيِّتٍ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَأْكُولِ، لَكِنْ لَا يَظْهَرُ لِهَذَا الْوَصْفِ مَعْنًى مُخَيَّلٌ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِيمَا عَلَّقَ عَنْهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ: إنَّ الْأَقْيَسَ الْجَوَازُ وَبِالْمَنْعِ جَزَمَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي الْعِلَّتَيْنِ، وَبِمَا يَتْبَعُ حَمْلُهُ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ قَالَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ زَعَمَ أَنَّ دَلِيلَ الْمَسْأَلَةِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ والثاني: قَالَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ زَعَمَ أَنَّ دَلِيلَ الْمَسْأَلَةِ اتِّبَاعُ الْقِيَاسِ.
واعلم: أَنَّ تَقْدِيرَ هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الْمُهِمَّاتِ فَعَلَيْهِ تُبْتَنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَغَيْرُهَا، وَبَنَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ الْخِلَافَ فِي بَيْعِ الشَّاةِ بِلَحْمِ الْبَقَرِ إذَا قُلْنَا: إنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ وَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ لِأَصْحَابِنَا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِنَا: الْأَصْلُ فِيهَا اتِّبَاعُ الْقِيَاسِ أَنْ لَا دَلِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ الْقِيَاسِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ هَلْ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى؟ وَالْخَبَرُ فِيهِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ؟ أَوْ هُوَ تَعَبُّدٌ يُسْتَنَدُ فِيهِ إلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ مَعْنًى؟ وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ أَنَّا إنْ جَعَلْنَاهُ تَعَبُّدًا امْتَنَعَ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ وَإِلَّا جَازَ، وَلَا بُدَّ هُنَا مِنْ مُلَاحَظَةِ أَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ النَّصَّ الْعَامَّ إذَا اُسْتُنْبِطَ مِنْهُ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ هَلْ يَجُوزُ؟ فَإِنَّ الْخَبَرَ عَامٌّ فِي الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطُ وَهُوَ مُلَاحَظَةُ الرِّبَا يَقْتَضِي تَخْصِيصُهُ بِالْمَأْكُولِ وَقَدْ اُشْتُهِرَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ وَلَهُ نَظَائِرُ منها: لَمْسُ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي إخْرَاجُهُ وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فرع: لَا يُبَاعُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِالشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ وَالطَّيْرِ الْمَذْبُوحِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْغَائِبِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِذَلِكَ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ فِي الْجِلْدِ مُطْلَقًا قَبْلَ السَّلْخِ وَلَا الْجِلْدِ أَيْضًا وَلَوْ بَاعَ اللَّحْمَ مَعَ الْجِلْدِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي بَابِ بَيْعِ الثِّمَارِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ