فهرس الكتاب
ج / 11 ص -8- الْمُشْتَرِي غَيْرَ عَالَمٍ بِالْحِجَارَةِ فَإِنْ كَانَ زَمَانُ الْقَلْعِ يَسِيرًا لَا يَكُونُ لِمِثْلِهِ أُجْرَةٌ كَيَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، فَلَا أُجْرَةَ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا كَيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرَ قَالَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ.
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِتَفْوِيتِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي مَنْفَعَةَ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحُ حُفَرِهَا بِقَلْعِ الْحِجَارَةِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ: أحدهما: الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ والثانية: عَلَى وَجْهَيْنِ فِي التَّتِمَّةِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْبَائِعُ يَدَ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَجَبَ الْأَرْشُ وَلَا خِيَارَ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَفِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْبَائِعِ وَجْهَانِ: أحدهما: نَعَمْ كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ والثاني: وَنَسَبَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إلَى جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُفَوَّتَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِيَدِ الْبَائِعِ عَلَى الْأَرْضِ أَخْذًا مِنْ أَنَّ جِنَايَتَهُ كَالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ فَأَمَّا:تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحُ حُفَرِهَا فَفِيهِ طَرِيقَانِ؛ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَلَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ وَجْهًا وَاحِدًا، لَكِنْ يَجِبُ بِذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْبَائِعُ يَدَ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهِ وَجْهَانِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا مُضِرًّا لِقُرْبِهَا مِنْ عُرُوقِ الْغِرَاسِ وَالزَّرْعِ وَقَلْعُهَا مُضِرٌّ لِمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ غِرَاسٍ وَزَرْعٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالْحِجَارَةِ وَبِضَرَرِهَا فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي الْفَسْخِ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِي الْقَلْعِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا إمَّا بِالْحِجَارَةِ وَإِمَّا بِضَرَرِهَا، وَإِمَّا فِي الْقَلْعِ وَإِمَّا فِي التَّرْكِ فَلَهُ الْخِيَارُ، هَكَذَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ سَوَاءٌ جَهِلَ أَصْلَ الْأَحْجَارِ أَوْ كَوْنَ قَلْعِهَا مُضِرًّا فَأَغْفَلَ قِسْمًا آخَرَ لَمْ يَشْمَلْهُ كَلَامُهُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْأَحْجَارِ وَيَكُونُ قَلْعُهَا مُضِرًّا وَلَكِنْ جَهِلَ كَوْنَ تَرْكِهَا مُضِرًّا فَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ ضَرَرِ التَّرْكِ وَضَرَرِ الْقَلْعِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ يَطْمَعُ فِي أَنَّ الْبَائِعَ يَتْرُكُهَا فَلَا يَحْصُلُ ضَرَرٌ.
إذَا عَلِمَ ذَلِكَ فَإِذَا ثَبَتَ الْخِيَارُ قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِأَنْ يَتْرُكَ الْبَائِعُ الْأَحْجَارَ، لِمَا فِي بَقَائِهَا مِنْ الضَّرَرِ، وَهَلْ يَسْقُطُ الْخِيَارُ بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُشْتَرِي: لَا تَفْسَخْ لِأَغْرَمَ لَكَ أُجْرَةَ مُدَّةِ النَّقْلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ عَنْ رِوَايَةِ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أصحهما: عِنْدَ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ لَا، كَمَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: لَا تَفْسَخْ لِأَغْرَمَ لَكَ الْأَرْشَ، ثُمَّ إنْ فَسَخَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ وَإِلَّا فَعَلَى الْبَائِعِ النَّقْلُ وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، سَوَاءٌ كَانَ النَّقْلُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَمْ بَعْدَهُ، هَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ وَجْهًا وَاحِدًا بَلْ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ هَهُنَا هُوَ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَرَجَّحَهُ الرُّويَانِيُّ أما: بَعْدَ الْقَبْضِ فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وَجْهَيْنِ فِي التَّتِمَّةِ، وَفِي أُجْرَةِ النَّقْلِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
ثَالِثُهَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ عَلَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الطَّيِّبِ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّقْلُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يَجِبُ، أَوْ بَعْدَهُ فَيَجِبُ (وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ مُطْلَقًا، وَالْكَلَامُ فِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ وَالتَّسْوِيَةِ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّمْ الرَّافِعِيُّ عَلَيْهِ إلَّا فِي هَذَا الْقِسْمِ.