فهرس الكتاب
ج / 11 ص -10- الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ تَسْلِيمُهُ فِيهِ إلَى غَيْرِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِلَا خِلَافٍ وَعَقِبَ الطَّلَبِ، انْتَهَى.
وَاعْلَمْ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْأَصْحَابَ رضي الله عنهم الْمُطْلِقِينَ وُجُوبَ التَّسْوِيَةِ لَمْ يُبَيِّنُوا مَا إذَا كَانَتْ مَوَاضِعُ الْأَحْجَارِ تَحْتَاجُ فِي تَسْوِيَتِهَا إلَى تُرَابٍ آخَرَ هَلْ يَلْزَمُ الْبَائِعَ إحْضَارُهُ مِنْ خَارِجٍ؟ أَوْ تَسْوِيَتُهَا بِبَقِيَّةِ الْأَرْضِ؟ أَوْ يُعِيدُ إلَى تِلْكَ الْحُفَرِ التُّرَابَ الَّذِي أُخِذَ مِنْهَا بِالْقَلْعِ خَاصَّةً؟ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ سَدَّهَا كَمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ الْمُتَقَدِّمُ، لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ التَّسْوِيَةِ هَذَا الْقِسْمُ الْآخَرُ، فَإِنَّهُ لَا تَسْوِيَةَ فِيهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَوَاضِعُ الْحِجَارَةِ حُفَرًا كِبَارًا، وَالتُّرَابُ الَّذِي فَوْقَ الْحِجَارَةِ يَسِيرٌ، فَإِذَا قُلِعَتْ الْحِجَارَةُ بَقِيَ مَوْضِعُهَا حُفَرًا لَا يَسُدُّهُ ذَلِكَ التُّرَابُ الَّذِي فَوْقَهَا، وَلَا تَتَسَاوَى بِبَقِيَّةِ الْأَرْضِ، فَحَمْلُ التَّسْوِيَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ بُعْدٌ وَعَلَى تَقْدِيرِ إرَادَتِهِ يَتَّجِهُ الْجَزْمُ بِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ، وَفَاءً بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَتَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَلَى حَالِهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ بِنَقْلِ التُّرَابِ عَنْ مَحَلِّهِ بِالْقَلْعِ عَيْبٌ فِي الْأَرْضِ أَوْ حَصَلَ وَلَكِنْ أَجَازَ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْإِجَازَةَ لَا تَمْنَعُ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ عَيْنِ أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ عَلَى حَالِهَا.
وَعَلَى هَذَا لَوْ عُدِمَ ذَلِكَ التُّرَابُ الْمَنْقُولُ بِالْكُلِّيَّةِ وَكَانَ لَهُ قِيمَةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَتَلَفِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْقِسْمَ الثَّانِيَ، وَهُوَ تَسْوِيَتُهُ بِبَقِيَّةِ الْأَرْضِ فَبَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ إعَادَةُ الْمَبِيعِ إلَى مَا كَانَ، بَلْ يَتَغَيَّرُ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ التَّسْوِيَةَ بِالتُّرَابِ الْمَقْلُوعِ، فَإِنْ لَمْ يَكْفِ فَبِتُرَابٍ جَدِيدٍ، فَحِينَئِذٍ لَا يَتَّجِهُ الْجَزْمُ بِوُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ إلْزَامَ الْبَائِعِ بِتُرَابٍ جَدِيدٍ لَمْ يَضَعْ يَدَهُ عَلَى مِثْلِهِ مَعَ إجَازَةِ الْمُشْتَرِي الْعَقْدَ بَعِيدٌ، بَلْ الَّذِي يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْبَائِعَ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَالُ التَّسْلِيمِ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ قَلْعُ الْأَحْجَارِ وَإِزَالَةُ التُّرَابِ اللَّازِمِ ثُمَّ إعَادَتُهُ عَلَى مَا كَانَ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ زِيَادَةُ عَيْبٍ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ حَصَلَ عَيْبٌ قَبْلَ الْقَبْضِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ أَجْبَرَ الْبَائِعَ عَلَى الْقَلْعِ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْأَحْجَارِ، وَعِلْمِهِ بِالْحَالِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَ رَدِّ التُّرَابِ؛ لِأَنَّ إجْبَارَهُ عَلَى الْقَلْعِ رِضًا بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ مِنْ الْعَيْبِ.
وَإِنْ جَهِلَ الْحَالَ - فَإِنْ حَصَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ - ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ فَسَخَ فَذَاكَ، وَإِنْ أَجَازَ وَجَبَ التُّرَابُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ وَكَانَ ذَلِكَ مَعَ جَهْلِ الْمُشْتَرِي بِالْحَالِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَضَمَّنْهُ، وَجَهْلُ الْمُشْتَرِي أَثْبَتَ لَهُ الْخِيَارَ، فَإِذَا أَسْقَطَهُ بِالْإِجَازَةِ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ، ثُمَّ التَّعَيُّبُ الْحَاصِلُ مِنْ الْقَلْعِ إنْ فُرِضَ، غَايَتُهُ أَنْ يُجْعَلَ لِتَقَدُّمِ سَبَبِهِ كَعَيْبٍ حَاصِلٍ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي قَدْ رَضِيَ بِهِ لَمَّا أَلْزَمَ الْبَائِعَ بِالْقَلْعِ الَّذِي ذَلِكَ التَّعَيُّبُ مِنْ لَوَازِمِهِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَمْ بَعْدَهُ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَأْخَذُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي قَوْلِهِمْ، بِأَنَّ التَّسْوِيَةَ لَا تَجِبُ مُطْلَقًا قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه، وَحِينَئِذٍ اخْتَارَ طَرِيقَةً مُفَصَّلَةً وَهِيَ أَنَّ إعَادَةَ التُّرَابِ الزَّائِلِ بِالْقَلْعِ وَاجِبَةٌ وَالزَّائِدَةُ عَلَى ذَلِكَ إنْ وَقَعَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَحَصَلَ بِهِ عَيْبٌ خَرَجَ عَلَى جِنَايَةِ الْبَائِعِ والأصح: أَنَّهَا كَالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى إثْبَاتِ الْخِيَارِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَيَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَطْعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِالسَّرِقَةِ فِي يَدِ الْبَائِعِ والأصح: أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ إنْ