فهرس الكتاب
ج / 11 ص -11- وَقَعَ بِغَيْرِ مُطَالَبَةِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ وَقَعَ بِمُطَالَبَةِ الْمُشْتَرِي فَفِيهِ نَظَرٌ، وَفِي مَأْخَذِ الْخِلَافِ فِي الْأَرْشِ وَلُزُومِ التَّسْوِيَةِ مَزِيدُ كَلَامٍ مَذْكُورٍ فِي الْغَصْبِ. هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ لِذَلِكَ الزَّمَانِ أُجْرَةٌ، وَإِلَّا فَلَا أُجْرَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَعَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ لَيْسَ لِلْبَائِعِ إقْدَامُ الْحِجَارَةِ فِي الْأَرْضِ إنْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَيْعِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ، وَيَكُونَ فِي تَرْكِهَا ضَرَرٌ، فَيُؤْمَرُ الْبَائِعُ بِالْقَلْعِ وَالنَّقْلِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي كَمَا لَوْ اشْتَرَى دَارًا فَلَحِقَ سَقْفَهَا خَلَلٌ يَسِيرٌ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ فِي الْحَالِ، أَوْ كَانَتْ مُنْسَدَّةَ الْبَالُوعَةِ فَقَالَ: أَنَا أُصْلِحُهُ وَأُنَقِّيهَا، لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي قلت: وَهَهُنَا أَوْلَى بِعَدَمِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مَأْخُوذٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ، وَهُنَاكَ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ الْإِصْلَاحُ وَإِزَالَةُ الْخَلَلِ، ثُمَّ إنَّ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى عَادَتِهِ لَمَّا فَسَّرَ الضَّرَرَ بِضَرَرِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ قَالَ: ثُمَّ الْقَوْلُ فِي الْأُجْرَةِ وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ عَلَى مَا مَضَى، فَإِنْ أَطْلَقْتُ الْكَلَامَ كَمَا صَنَعَ الرَّافِعِيُّ لَمْ يُحْتَجْ إلَى ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْحَالَةَ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَسَنَشْرَحُهَا هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ وَلَا يَكُونَ فِي تَرْكِهَا ضَرَرٌ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إذَا كَانَ جَاهِلًا، فَإِنْ أَجَازَ فَفِي الْأُجْرَةِ وَالْأَرْشِ مَا مَرَّ وَلَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِأَنْ يَقُولَ: أَقْلَعُ وَأَغْرَمُ الْأُجْرَةَ أَوْ أَرْشَ النَّقْصِ، قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ: وَيَجِيءُ فِيهِ مِثْلُ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِ الْأَحْجَارِ فِي الْأَرْضِ سَقَطَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي إبْقَاءً لِلْعَقْدِ ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: تَرَكْتُهَا فَهَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ أَوْ مُجَرَّدُ إعْرَاضٍ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ: وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي تَرْكِ النَّعْلِ عَلَى الدَّابَّةِ الْمَرْدُودَةِ بِالْعَيْبِ أحدهما: أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِيَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكٍ حَاصِلٍ (وَأَظْهَرُهَا) أَنَّهُ قَطْعٌ لِلْخُصُومَةِ لَا غَيْرُ، وَبِالْأَوَّلِ أَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَيَنْبَنِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَا لَوْ قَلَعَهَا الْمُشْتَرِي يَوْمًا مَا وَأَبْدَى لِلْبَائِعِ فِي تَرْكِهَا هَلْ يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ؟ وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَيَعُودُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْإِمَامُ: لَا رُجُوعَ، وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالتَّرْكِ إلَّا إذَا جَرَتْ حَالَةٌ يَزُولُ فِيهَا الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلتَّرْكِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْإِبْرَاءِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبُولُ، وَادَّعَى الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَإِنْ قَالَ: وُهِبْتُهَا مِنْكَ فَإِنْ رَآهَا قَبْلُ وَوُجِدَتْ شَرَائِطُ الْهِبَةِ حَصَلَ الْمِلْكُ وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ الْخِلَافَ لِانْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْهِبَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ دَفْعُ الْفَسْخِ. وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ شَرَائِطُ الْهِبَةِ فَفِي صِحَّتِهَا لِلضَّرُورَةِ وجهان: إنْ صَحَّحْنَاهَا فَفِي إفَادَةِ الْمِلْكِ مَا ذَكَرْنَا فِي التَّرْكِ، قَالَ أَكْثَرَ هَذَا الْكَلَامِ الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ رضي الله عنهما، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلًا وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: الْبَائِعُ إذَا قَالَ: وَهَبْتُ الْحِجَارَةَ فَفِي إجْبَارِ الْمُشْتَرِي عَلَى قَبُولِهَا وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا بَاعَ ثَمَرَةً فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى وَاخْتَلَطَتْ بِالْأُولَى فَوَهَبَهَا هَلْ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ إنْ قُلْنَا: لَا يُجْبَرُ فَلِأَنَّهَا هِبَةٌ مَجْهُولَةٌ فَلَا تَصِحُّ، وَأَيْضًا فَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ مِلْكِ غَيْرِهِ والثاني: يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ بِقَبُولِهَا يَزُولُ الضَّرَرُ.
فإن قلنا: لَا يُجْبَرُ، فَعَلَى الْبَائِعِ نَقْلُهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْمَحْ الْبَائِعُ بِتَرْكِ الْأَحْجَارِ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ، فَإِنْ فَسَخَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ أَقَامَ فَهَلْ لِلْبَائِعِ الْقَطْعُ؟ نَظَرَ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ بَيْضَاءَ أَوْ مَغْرُوسَةً