فهرس الكتاب
ج / 11 ص -13- وَإِذَا قَلَعَ الْبَائِعُ الْأَحْجَارَ فَانْتَقَصَ الْغِرَاسُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ بِلَا خِلَافٍ. هَذَا مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَغْرِسَ الْبَائِعُ وَيَبِيعَ أَوْ يَبِيعَ بِلَا غِرَاسٍ ثُمَّ يَغْرِسُ الْمُشْتَرِي، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنْ كَانَ الْغِرَاسُ اسْتَحْدَثَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَيَلْزَمُهُ - يَعْنِي الْبَائِعَ - الْأُجْرَةُ وَنَقْصُ الْغَرْسِ وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ أَوْلَى، وَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الزَّرْعِ، فَكَانَ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَيُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ لِلْمُشْتَرِي فِي الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا غَرْسٌ أَوْ زَرْعٌ، وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْكَلَامُ فِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ، وَجَمِيعِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَخْتَلِفُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ.
وَأَمَّا أَرْشُ نَقْصِ الْغِرَاسِ هُنَا فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ لِأَنَّ الْغِرَاسَ لَيْسَ بِمَبِيعٍ حَتَّى يَخْرُجَ عَلَى جِنَايَةِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا فِي الْغِرَاسِ وَالزَّرْعِ ذَكَرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الرَّابِعَةِ، وَالرَّافِعِيُّ ذَكَرَهَا ذِكْرَ مَا لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّهَا قَدْ تَأْتِي فِي غَيْرِهَا كَمَا لَوْ لَمْ يُجْبِرْ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى الْقَلْعِ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى أَوْ فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ، فَإِنَّ الْقَلْعَ يَكُونُ جَائِزًا لِلْبَائِعِ، وَيَأْتِي فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا ذُكِرَ هَهُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: تَكَلَّمَ الْإِمَامُ وَقَبْلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا تَسْوِيَةَ الْحَفْرِ عَلَى الْبَائِعِ؟ وَعَلَى الْغَاصِبِ إذَا حَفَرَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ؟ وَلَمْ يُوجِبُوا عَلَى مَنْ هَدَمَ الْجِدَارَ أَنْ يُعِيدَهُ؟ وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا الْأَرْشَ؟ وَأَجَابَا عَنْهُ بِأَنَّ طَمَّ الْحَفْرِ لَا يَكَادُ يَتَفَاوَتُ، وَبُنْيَانُ الْأَبْنِيَةِ يَخْتَلِفُ وَيَتَفَاوَتُ، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَهَذَا بِذَوَاتِ الْقِيَمِ حَتَّى لَوْ رَفَعَ لَبِنَةً أَوْ لَبِنَتَيْنِ مِنْ رَأْسِ الْجِدَارِ وَأَمْكَنَ الرَّدُّ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ فِي الْهَيْئَةِ كَانَ ذَلِكَ كَطَمِّ الْحَفْرِ.
فرع: ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ هُنَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إذَا بَاعَ عَبْدًا فَقَالَ الْمُشْتَرِي: هُوَ آبِقٌ، وَقَالَ الْبَائِعُ: أَنَا أُحْضِرُهُ السَّاعَةَ وَأَحْضَرَهُ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي خِيَارٌ قلت: وَصُورَةُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ مَا إذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ الْإِبَاقَ ثُمَّ أَبِقَ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ رَدُّهُ عَنْ قُرْبٍ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ.
فرع: ذَكَرَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ كَالضَّابِطِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَهْمَا فُرِضَ ضَرَرٌ لَا يَنْدَفِعُ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا فَلَا خِيَارَ وَلَا أَرْشَ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا ثَبَتَ الْخِيَارُ، فَإِنْ فَسَخَ فَذَاكَ، وَإِنْ أَرَادَ، وَأَرَادَ إلْزَامَ الْبَائِعِ أَرْشَ النَّقْصِ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْبَائِعُ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ بِتَرْكِ الْحَجَرِ، وَكَانَ الضَّرَرُ فِي تَرْكِهِ وَنَقْلِهِ، فَفِي الْأَرْشِ الْأَوْجَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَجِدُ خَلَاصَهَا بِالْفَسْخِ، فَهُوَ كَاطِّلَاعِهِ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَأَنَّ النَّقْصَ ظَهَرَ بَعْدَ الْعَقْدِ بِفِعْلٍ مَنْشَؤُهُ الْبَائِعُ، إمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ مُسْتَنِدًا إلَى سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ كَقَتْلِ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ، وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ بِتَرْكِ الْحَجَرِ فَلَا يَلْزَمُهُ التَّرْكُ، وَلَكِنْ لَوْ فَعَلَ وَظَهَرَ الضَّرَرُ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِي تَغْرِيمِ الْبَائِعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْطَعُ بِتَغْرِيمِهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ ثُمَّ يَنْتَظِمُ عَلَى هَذَا تَعَطُّلُ الْمَنَافِعِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ فِي رَقَبَةِ الْمَبِيعِ وَقَدْ ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِي الْأُجْرَةِ فَمَا وَجْهُ تَرَتُّبِهَا؟ وَالْفَرْقُ لَائِحٌ؟ فَإِنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ مَعْقُودًا عَلَيْهَا، وَلَوْ قِيلَ: الْقَدْرُ الَّذِي يُفْرِغُ الْبَائِعُ فِيهِ الْمَبِيعَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، وَالْمَبِيعُ كُلُّهُ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُشْتَرِي بِأَجْزَائِهِ وَصِفَاتِهِ.