فهرس الكتاب
ج / 11 ص -30- إنَّا إنَّمَا اتَّبَعْنَا الْمَعْنَى هُنَا، وَلَمْ نَتَّبِعْ اللَّفْظَ، وَلَا أَجْرَيْنَا فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى قَوِيَ بِأَصْلِ بَقَاءِ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَلَا يُعَارَضُ ذَلِكَ بِأَنَّ تَرْكَهُ التَّأْبِيرَ عِنْدَ إمْكَانِهِ كَالْأَعْرَاضِ فَتُجْعَلُ تَابِعَةً لِمُقْتَضَى مَفْهُومِ الْحَدِيثِ لِضَعْفِ عُمُومِ الْمَفْهُومِ
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْحَائِطَ إذَا تَشَقَّقَ طَلْعُ إنَاثِهِ فَأُخِّرَ إبَارُهُ وَقَدْ أُبِّرَ غَيْرُهُ مِمَّنْ حَالُهُ مِثْلُ حَالِهِ، أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا أُبِّرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَلَيْهِ وَقْتُ الْإِبَارِ وَظَهَرَتْ ثَمَرَتُهُ بَعْدَ تَغَيُّبِهَا فِي الْخُفِّ، وَمَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ: إنَّهُ لَوْ ظَهَرَتْ ثَمَرَةُ النَّخْلِ بِغَيْرِ إبَارٍ لَمْ يَحِلَّ اشْتِرَاطُهَا أَصْلًا وَجَمَدَ جُمُودًا عَجِيبًا، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ فِي ثَمَرَةِ النَّخْلِ إلَّا الِاشْتِرَاطُ فَقَطْ.
وأما: الْبَيْعُ فَلَا، حَتَّى يَصِيرَ زَهْوًا فَإِذَا هُوَ صَارَ زَهْوًا1 جَازَ فِيهِ الِاشْتِرَاطُ وَالْبَيْعُ مَعَ الْأُصُولِ وَدُونِهَا وَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ إلَّا فِي النَّخْلِ الْمَأْبُورِ خَاصَّةً، وَلَمْ يُطْرِدْهُ فِي غَيْرِ النَّخْلِ مِنْ الشَّجَرِ وَلَا فِي النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ، وَهَذَا جُمُودٌ عَجِيبٌ يُنْكِرُهُ الْفَهْمُ، وَعَدَمُ طَرْدِهِ إيَّاهُ فِي النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ النَّخْلَ اسْمُ جَمْعٍ، وَلِمُخَالِفِيهِ أَنْ يَقُولُوا: إنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تُلْزِمْهُ تَاءُ التَّأْنِيثِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر: 20] وَإِذَا كَانَ اسْمَ جِنْسٍ شَمِلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ كَتَمْرٍ، وَسَائِرُ مَا مُؤَنَّثُهُ بِالتَّاءِ مِمَّا لَمْ تُلْزِمْهُ الْعَرَبُ كَالتُّخُمِ وَالْبُهْمِ بِخِلَافِ الرُّطَبِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِيهِ هُوَ الرُّطَبُ كَمَا لَمْ تَلْتَزِمْ فِيهِ الْعَرَبُ التَّأْنِيثَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، وَالنَّخْلُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ أَيْ كُلُّ الثَّمَرَةِ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ كُلَّهَا أَوْ شَيْئًا مِنْهَا، كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ، وَأَيِّ جُزْءٍ كَانَ مَعْلُومًا فَلَا تَكُونُ كُلُّهَا لِلْبَائِعِ، بَلْ عَلَى حَسَبِ الشَّرْطِ، وَالْعُمُومُ فِي الْأَوَّلِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِضَافَةِ مِنْ قَوْلِهِ: فَثَمَرَتُهَا، وَالْإِطْلَاقُ فِي الثَّانِي مَأْخُوذٌ مِنْ عَدَمِ الْهَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَبِهِ يَقُولُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ أَشْهَبُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ بَعْضُهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَدَاوُد: وَفِي مَالِ الْعَبْدِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ كُلَّهُ أَوْ يَدَعَهُ كُلَّهُ.
فرع: هَذَا الِاشْتِرَاطُ هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ أَوْ لَا؟ قَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْبَيْعِ عِنْدَهُ، وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا اشْتَرَطَهَا مُشْتَرِي الْأَصْلِ أَوْ اشْتَرَاهَا بَيْدَ أَنَّهَا لَا حِصَّةَ لَهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَلَوْ أُجِيحَتْ كُلُّهَا كَانَتْ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَتَمَسَّكَ ابْنُ حَزْمٍ فِي أَنَّ هَذَا الِاشْتِرَاطَ لَيْسَ بِبَيْعٍ بِنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ، وَحَمَلَ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ، وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ بَيْعٌ يَحْتَاجُونَ إلَى تَخْصِيصِ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ تَأْوِيلِهِ عَلَى بَيْعِهَا وَحْدِهَا.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَحْصُلُ تَسْلِيمُ الشَّجَرَةِ مَعَ كَوْنِ الثِّمَارِ الْمُؤَبَّرَةِ عَلَيْهَا لِلْبَائِعِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الزهو البسر اللون يقال: إذا ظهرت الحمرة والصفرة في النخل فقد ظهر فيه الزهو (المطيعي) .