فهرس الكتاب
ج / 11 ص -38- إنْ كَانَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ نَخْلًا بِالنُّونِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَإِنْ كَانَ بِالْفَاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَأَشَذَّ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْفُحَّالَ إذَا أُفْرِدَ بِالْبَيْعِ وَقَدْ أُبِّرَ وَلَمْ تُؤَبَّرْ الْإِنَاثُ أَنَّ طَلْعَهُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ نَعْلَمُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّمَا جَوَّزْتُ هَذَا الِاحْتِمَالَ فِي لَفْظِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ بَاعَ فَحْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ الْإِنَاثُ فَقَسِيمُهُ مَنْ بَاعَ فَحْلًا قَبْلَ أَنْ يُؤَبَّرَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ - وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ أَيْضًا فِي الْمُخْتَصَرِ: وَلَوْ تَشَقَّقَ طَلْعُ إنَاثِهِ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَا أُبِّرَ نَخْلُهُ، فَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِتَشَقُّقِ طَلْعِ الذُّكُورِ.
فَائِدَةٌ: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْوَجْهَيْنِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَلَمْ يَنْسِبْ شَيْئًا مِنْهُمَا إلَى النَّصِّ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَفِي التَّنْبِيهِ قَالَ: وَقِيلَ: إنَّ ثَمَرَةَ الْفُحَّالِ لِلْبَائِعِ بِكُلِّ حَالٍ، وَهُوَ خِلَافُ النَّصِّ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، فَهَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا مَا اشْتَهَرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ التَّنْبِيهَ مَأْخُوذٌ مِنْ طَرِيقَةِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَالْمُهَذَّبَ مِنْ طَرِيقَةِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَمِرٍّ، فَسَيَأْتِي فِي تَقْسِيمِ الشَّجَرِ أَنَّهُ تَبِعَ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ وَلَمْ يَتْبَعْ أَبَا الطَّيِّبِ، لَكِنَّ ذَلِكَ فِي صَنْعَةِ التَّصْنِيفِ لَا فِي النَّقْلِ وَفِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يَأْتِي كَلَامٌ فِي مُخَالَفَتِهِ أَبَا حَامِدٍ أَوْ مُوَافَقَتِهِ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ مُتَابَعَةَ طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ فِي كِتَابٍ مِنْهُمَا، نَعَمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْأَكْثَرِ فَرُبَّمَا، وَيَتْرُكُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِمَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ، وَلَمْ أَقِفْ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْفُحَّالِ إلَّا مَا حَكَيْتُهُ عَنْ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمُصَنِّفُ وَقَفَا عَلَى نَصٍّ آخَرَ أَصْرَحَ مِنْهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا أَخَذَاهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا أَخَذَ طَلْعَ الْفُحَّالِ جَازَ بَيْعُهُ فِي قِشْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ حَتَّى يَصِيرَ بَارِزًا، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ، وَنَسَبَ الْإِمَامُ الْأَوَّلَ إلَى مُعْظَمِ أَصْحَابِنَا، وَذُكِرَ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، وَأَنَّهُ بَنَاهُمَا عَلَى بَيْعِ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا، قَالَ الْإِمَامُ، وَهَذَا مَقْدَحٌ حَسَنٌ.
فَائِدَةٌ أُخْرَى: ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي خُصُوصِ مَسْأَلَةِ الْفُحَّالِ نَصٌّ لِلشَّافِعِيِّ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ إطْلَاقِهِ أَنَّ الْإِبَارَ حَدٌّ لِمِلْكِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْإِبَارَ عِبَارَةٌ عَنْ إصْلَاحِ طَلْعِ الْإِنَاثِ بَعْدَ تَشَقُّقِهِ أَوْ شَقِّهِ بِالْكُشِّ الَّذِي فِي طَلْعِ الْفُحَّالِ، فَلَا إبَارَ فِي الْفُحَّالِ، فَلَا دُخُولَ لَهُ فِي هَذَا، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ فِي التَّنْبِيهِ فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ خِلَافُ النَّصِّ عَلَى نَصِّ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى التَّأْبِيرِ اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِنَاثِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَجَعْلُ التَّشَقُّقِ فِي مَعْنَاهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مِنْ إلْحَاقِ الْفُقَهَاءِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَهُوَ بِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَوْلَى.
فرع: بَاعَ فُحَّالًا لَا طَلْعَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَطْلَعَ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ، قَالَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ: فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ كَطَلْعِ الْإِنَاثِ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ كَالْمُؤَبَّرَةِ وَقُلْنَا: إنَّهُ يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ أَوْ مَوْقُوفٌ فَهُوَ أَيْضًا لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْعَقْدِ وَانْقِضَاءِ الْخِيَارِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ وَالْمَبِيعُ عَلَى مِلْكِهِ.