ج / 1 ص -241- بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِهِ، وَأَشَارَ أَيْضًا إلَى تَرْجِيحِهِ الْبَيْهَقِيُّ كَمَا سَأَذْكُرُهُ عَنْهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ رضي الله عنهم اسْتِحْبَابُ الثَّلَاثِ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَزَاذَانَ وَمَيْسَرَةَ رضي الله عنهم. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُنَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا يُسَنُّ مَسْحَةٌ وَاحِدَةٌ، هَكَذَا حَكَاهُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ التِّرْمِذِيُّ وَآخَرُونَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالنَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ رضي الله عنهم، وَحَكَاهُ غَيْرُ ابْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ غَيْرِهِمْ أَيْضًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. فَأَمَّا ابْنُ سِيرِينَ فَاحْتُجَّ لَهُ بِحَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ"وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مِثْلُهُ.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِمَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ فَاحْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي"الصحيحين"وَغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَاتِ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ غَسْلِهِ بَقِيَّةَ الْأَعْضَاءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا"مِنْهَا رِوَايَةُ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهم، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَالرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ: الصَّحِيحُ فِي أَحَادِيثِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ مَسْحُ الرَّأْسِ مَرَّةً، وَقَدْ سَلَّمَ لَهُمْ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا وَاعْتَرَفَ بِهِ وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ الْمَعْرُوفُ بِالِانْتِصَارِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ وَاجِبٌ فَلَمْ يُسَنُّ تَكْرَارُهُ كَمَسْحِ التَّيَمُّمِ وَالْخُفِّ، وَلِأَنَّ تَكْرَارَهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَصِيرَ الْمَسْحُ غَسْلًا، وَلِأَنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا قَبْلَ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه عَلَى عَدَم التَّكْرَارِ، فَقَوْلُهُ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رحمهم الله بِأَحَادِيثَ وَأَقْيِسَةٍ: أحدها: وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيُّ حَدِيثُ عُثْمَانَ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا"رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَوَضَّأَ يَشْمَلُ الْمَسْحَ وَالْغَسْلَ، وَقَدْ مَنَعَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ الدَّلَالَةَ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهَا رِوَايَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَجَاءَتْ الرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ فِي الصَّحِيحِ الْمُفَسَّرَةُ مُصَرِّحَةً بِأَنَّ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً، فَصَرَّحُوا بِالثَّلَاثِ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ، وَقَالُوا فِي الرَّأْسِ:"وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ"وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا ثُمَّ قَالُوا بَعْدَهُ: ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَجَاءَ فِي رِوَايَاتٍ فِي الصَّحِيحِ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ دَلَالَةٌ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه أَنَّهُ"تَوَضَّأَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا وَقَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ هَكَذَا"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَقَدْ ذَكَرَ أَيْضًا الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ - رحمه الله - أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرُبَّمَا ارْتَفَعَ مِنْ الْحُسْنِ إلَى الصِّحَّةِ بِشَوَاهِدِهِ وَكَثْرَةِ طُرُقِهِ، فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ وَغَيْرَهُ رَوَوْهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد.