فهرس الكتاب
ج / 11 ص -79- فَذَاكَ وَإِنْ أَبَى فَسَخْنَا الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَسْقِيَ، وَالْأُجْرَةُ عَلَى الْبَائِعِ. وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا ثَالِثًا بِمُرَاعَاةِ جَانِبِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَائِعَ أُلْزِمَ تَسْلِيمَ الشَّجَرَةِ عَلَى كَمَالِهَا. قَالَ: وَحَقِيقَةُ الْأَوْجُهِ تَئُولُ إلَى أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَرْعَى جَانِبَ الْمُشْتَرِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْعَى جَانِبَ الْبَائِعِ. وَأَبُو إِسْحَاقَ لَا يُقَدِّمُ أَحَدَ الْحَقَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ السَّقْيُ يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ وَيَنْفَعُ الشَّجَرَةَ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي السَّقْيَ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُقَالُ لِلْبَائِعِ، اسْمَحْ فِي أَنْ يَسْقِيَ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ سَمَحَ فَذَاكَ، وَإِلَّا قُلْتُ لِلْمُشْتَرِي: اسْمَحْ فِي تَرْكِ الْبَائِعِ فَإِنْ سَمَحَ فَذَاكَ وَإِنْ أَبَى فَسَخْنَا الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى ذَلِكَ وَأَوْجَبَ الْأُجْرَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ عَلَى أَنْ لَا يَضُرَّ بِغَيْرِهِ وَفِيهِ الْوَجْهُ الثَّالِثُ الَّذِي حَكَاهُ الْإِمَامُ وَيَكُونُ بَيِّنًا لِمُرَاعَاةِ جَانِبِ الْبَائِعِ، وَفِي كُلٍّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ لَوْ اتَّفَقَا عَلَى السَّقْيِ أَوْ تَرْكِهِ جَازَ، قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ يَخُصُّ الْمُصَنِّفُ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فِيمَا ذَكَرَهُ وَتَبَيَّنَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَتَجِبُ الْأُجْرَةُ عَلَى مَنْ يَسْقِي مِنْ كَلَامِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا مُرَادُهُ بِمَنْ يَسْقِي: الْبَائِعُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَالْمُشْتَرِي فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَتَجِبُ أُجْرَةُ السَّقْيِ عَلَى مَنْ يَسْقِي كَلَامًا مُبْتَدَأً غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَعْنِي حَيْثُ أَوْجَبْنَا السَّقْيَ فَهُوَ عَلَى مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ، لَا كَمَنْ بَاعَ ثَمَرَةً بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَإِنَّهُ يَسْقِي، وَالْمَنْفَعَةُ لِلْمُشْتَرِي، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ مَا إذَا سَقَى الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي أَوْ هُمَا جَمِيعًا فَتَجِبُ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِمَا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاَلَّذِي يَسْقِي فِي الصُّورَتَيْنِ هُوَ الْمُطَالَبُ الَّذِي أَجْبَرْنَا الْمُمْتَنِعَ لِأَجْلِهِ، وَمَعْنَى الْإِجْبَارِ إجْبَارُهُ عَلَى تَمْكِينِ الْآخَرِ مِنْ السَّقْيِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ:"لِأَنَّ مَنْفَعَةَ السَّقْيِ تَحْصُلُ لَهُ"تَعْلِيلٌ ظَاهِرٌ فِي الطَّرَفَيْنِ، وَقَدْ فَهِمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَوْلُهُ: إنَّ لِصَاحِبِ الثَّمَرَةِ مَنْعَهُ، فَإِذَا مَنَعَهُ كَانَ لِصَاحِبِ النَّخْلِ فَسْخُ الْبَيْعِ فَفَهِمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا آخَرَ. قَالَ: وَبِذَلِكَ يَكْمُلُ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ.
ثَالِثُهَا: إنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَسَخَهُ الْحَاكِمُ.
وَرَابِعُهَا: الْأَمْرُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِلْفَسْخِ الْبَائِعُ إنْ أَرَادَ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةٌ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَتَرَكَهَا الْمُصَنِّفُ لِوُضُوحِهَا، وَلَا خِلَافَ فِيهَا، وَهِيَ إذَا كَانَ السَّقْيُ يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ وَالنَّخْلِ جَمِيعًا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَنْعُ الْآخَرِ لِأَنَّهُ يُدْخِلُ الضَّرَرَ عَلَى صَاحِبِهِ بِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ فَهُوَ سَفَهٌ وَتَضْيِيعٌ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ، وَهَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ النَّخْلِ.
أما: النَّخْلُ فَيَنْفَعُهُ السَّقْيُ أَبَدًا، فَلَوْ قَالَ صَاحِبُ الثَّمَرَةِ: أُرِيدُ أَنْ آخُذَ الْمَاءَ الَّذِي كُنْتُ أَسْتَحِقُّهُ لِسَقْيِ ثَمَرَتِي فَأَسْقِيَ بِهِ غَيْرَهَا مِنْ الثِّمَارِ أَوْ الزُّرُوعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَهَكَذَا لَوْ أَخَذَ ثَمَرَتَهُ قَبْلَ وَقْتِ جِذَاذِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ الَّذِي كَانَ يَسْتَحِقُّهُ إلَى وَقْتِ الْجِذَاذِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْمَاءِ مَا فِيهِ صَلَاحُ تِلْكَ الثَّمَرَةِ دُونَ غَيْرِهَا، فَقَدْ كَمَلَتْ الْمَسَائِلُ الَّتِي فِي أَحْوَالِ السَّقْيِ سِتًّا شَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ خَمْسًا، وَتَرَكَ وَاحِدَةً، وَمَسَائِلُ تَرْكِ السَّقْيِ سَبْعًا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا فِي آخِرِ كَلَامِهِ وَاحِدَةً