فهرس الكتاب
ج / 11 ص -81- إنَّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ لِلْبَائِعِ نَفْعٌ فِي تَرْكِ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ الْقَطْعُ قَوْلًا وَاحِدًا، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ
فرع: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَجِبُ السَّقْيُ بِالْمَاءِ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَسْقِي مِنْهُ تِلْكَ الْأَشْجَارَ، وَلَوْ كَانَ مِلْكَ الْمُشْتَرِي بِأَنْ كَانَ مِنْ بِئْرٍ دَخَلَتْ فِي الْعَقْدِ، وَقُلْنَا بِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَاءَهَا كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَمَّا كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْبَائِعِ لِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ اُغْتُفِرَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ انْتِفَاعًا بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي حَيْثُ يَفْسُدُ الْعَقْدُ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لَكِنَّ هَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ اسْتِحْقَاقِ السَّقْيِ إذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ وَشَرَطَهَا الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قلت: لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنَّ شَرْطَهُ الثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ لِنَفْسِهِ يُصَيِّرُهَا بِمَنْزِلَةِ الثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ وُجُوبُ السَّقْيِ بِالشَّرْعِ وُجُوبَ الْإِبْقَاءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ، كَمَا إذَا شَرَطَ الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي وَمِنْ كَوْنِ السَّقْيِ وَاجِبًا مِنْ الْمَاءِ الْمُعْتَادِ وَإِنْ كَانَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي يُسْتَفَادُ، مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ تَجِبُ أُجْرَةُ السَّقْيِ عَلَى مَنْ يَسْقِي، وَلَمْ يَقُلْ: تَجِبُ مُؤْنَةُ السَّقْيِ، لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْنَةِ، وَهُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَفِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يَسْقِي بِهَا الْأُجْرَةُ فِي نَقْلِهِ، وَمَا أَشْبَهَهُ، نَعَمْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا الْآلَاتُ الَّتِي يَسْتَقِي بِهَا الْمُشْتَرِي إنَّمَا يَلْزَمُ التَّمْكِينُ مِنْ الْمَاءِ خَاصَّةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: أَمَّا الْأَرْجَحُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ قَوْلَ الْفَسْخِ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ. وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ مُرَاعَاةَ جَانِبِ الْمُشْتَرِي وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا كَانَ لَا يُصْلِحُهَا إلَّا السَّقْيُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي تَخْلِيَةُ الْبَائِعِ. وَمَا يَكْفِي مِنْ السَّقْيِ فَهَذَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُوَافِقٌ لِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إجْبَارِ الْمُشْتَرِي، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي عَكْسِهَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَقُولُ بِمُرَاعَاةِ جَانِبِ الْبَائِعِ مُطْلَقًا. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الْوَجِيزِ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"لَا يَجُوزُ بَيْعُ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ. لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ"النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا"وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه أَيْضًا أَنَّ"النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرَةِ النَّخْلِ حَتَّى تُزْهِيَ وَالسُّنْبُلِ وَالزَّرْعِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ"وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ إنَّمَا يُنْقَلُ عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ. وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى بِاللَّيْلِ مَتَاعًا لَمْ يُكَلَّفْ نَقْلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ. وَالْعَادَةُ فِي الثِّمَارِ تَرْكُهَا إلَى أَوَانِ الْجِذَاذِ، فَإِنْ بَاعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُصِيبَهَا عَاهَةٌ فَتَتْلَفُ، وَذَلِكَ غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ، وَإِنْ بَاعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ جَازَ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ قَبْلَ أَنْ يَتْلَفَ فَيَأْمَنَ مِنْ الْغَرَرِ، وَإِنْ بَاعَ الثَّمَرَةَ مَعَ الْأَصْلِ وَالزَّرْعِ مَعَ الْأَرْضِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ جَازَ، لِأَنَّ حُكْمَ الْغَرَرِ يَسْقُطُ مَعَ الْأَصْلِ، كَالْغَرَرِ فِي الْحَمْلِ يَسْقُطُ حُكْمُهُ إذَا بِيعَ مَعَ الْأَصْلِ وَإِنْ بَاعَ الثَّمَرَةَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْأَصْلَ أَوْ الزَّرْعَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْأَرْضَ فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لِمَالِكِ الْأَصْلِ، فَجَازَ كَمَا لَوْ بَاعَهَا مَعَ الشَّجَرَةِ وَالْأَرْضِ والثاني: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ أَفْرَدَهُ بِالْبَيْعِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ، فَأَشْبَهَ إذَا بَاعَهَا مِنْ غَيْرِ مَالِكِ الْأَصْل".