فهرس الكتاب
ج / 11 ص -83- تَقَاضِيَهُمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ: إنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الذَّمَانُ أَصَابَهُ مُرَاضٌ أَصَابَهُ قُشَامٌ - عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: صلى الله عليه وسلم لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ: إمَّا لَا فَلَا تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ"كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ"الذَّمَانُ - بِفَتْحِ الذَّالِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ - عَفَنٌ يُصِيبُ النَّخْلَ فَيَنْشَقُّ أَوَّلَ مَا يَبْدُو مِنْ عَفَنٍ وَسَوَادٍ، وَالْمُرَاضُ - بِضَمِّ الْمِيمِ - دَاءٌ يَقَعُ فِي الثَّمَرَةِ فَتَهْلِكُ، وَالْقُشَامُ - بِضَمِّ الْقَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ: أَنْ يُنْتَقَصَ ثَمَرُ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ بَلَحًا. وقوله: إمَّا لَا، أَيْ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا هَذَا، فَلْيَكُنْ هَذَا، وَأَصْلُهَا: إنْ الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْهَا مَا وَأُدْغِمَتْ فِيهَا، وَأُدْخِلَتْ عَلَى لَا النَّافِيَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ حَدِيثَ زَيْدٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّهْيَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"إمَّا لَا"، وَلِقَوْلِ الرَّاوِي كَالْمَشُورَةِ لَهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَتِّمٍ، وَالتَّمَسُّكُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّاوِي كَالْمَشُورَةِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، فَإِنَّ كُلَّ أَوَامِرِهِ صلى الله عليه وسلم وَنَوَاهِيهِ لِمَصَالِحِهِمْ الْأُخْرَوِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ:"إمَّا لَا"، فَلِأَنَّهُ يَقْضِي: أَنَّ النَّهْيَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ وَهُوَ الَّذِي نُقَدِّرُهُ، وَاَلَّذِي يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ لَا تَرَاجَعُوا عَنْ الْخُصُومَةِ أَوْ مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ التَّعْلِيقِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّعْلِيقَ، فَإِنَّ رُجُوعَهُمْ عَنْ الْخُصُومَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ لَا يُعْلَمُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى الْحُكْمُ مَوْقُوفًا عَلَى ذَلِكَ، فَالْمُرَادُ: - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْشَأَ النَّهْيَ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى إذْ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْلِيلِ، وَمِمَّا يُرْشِدُ إلَى أَنَّ النَّهْيَ حَتْمٌ قَوْلُهُ:"نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ"، فَإِنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْمَنْعِ، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الْمُشْتَرِي."
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ: أَكْثَرُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ:"أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟"، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ بَيَانُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ صلى الله عليه وسلم، وَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ رحمه الله: والدراوردي، وَخَالَفَهُمَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ، فَجَعَلَاهُ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ، وَإِتْقَانُ مَالِكٍ رحمه الله: وَضَبْطُهُ مَعَ كَوْنِهِ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيَكُونُ أَنَسٌ قَالَهُ مِنْ كَلَامِهِ لَمْ يَأْتِ فِيهِ بِالرَّفْعِ، وَأَنَّ عِنْدَهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَرَوَى عَنْهُ كَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَيَثْبُتُ كَوْنُهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ شَارِحِي التَّنْبِيهِ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه انْفَرَدَ عَنْ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ بِرَفْعِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ، وَرَوَاهُ مَعَ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ كَمَا رَأَيْتَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَقَدْ قَسَّمَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ بَيْعَ الثَّمَرَةِ إلَى قِسْمَيْنِ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ الأول: أَنْ تُبَاعَ مُفْرَدَةً عَنْ الْأَشْجَارِ وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ الأول: أَنْ تَكُونَ الْأَشْجَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِغَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَبَيْعُ الثَّمَرَةِ حِينَئِذٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ أَحْسَنُ، وَإِنْ شِئْتَ تَقُولُ - وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: إنَّ بَيْعَ الثَّمَرَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ الأول: أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ الأول: أَنْ تُبَاعَ مِنْ غَيْرِ مَالِكِ الْأَصْلِ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ الأول: أَنْ تَكُونَ مُفْرَدَةً عَنْ الْأَشْجَارِ وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الأول: أَنْ يَبِيعَهَا