فهرس الكتاب
ج / 11 ص -84- بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَبَيْعُهَا بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ.
الثاني: أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَطْعِ يَزُولُ الْمَحْذُورُ مِنْ الْآفَةِ وَالْعَاهَةِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْإِجْمَاعِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ الْمُحَلَّى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى مَنْعَ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا جُمْلَةً، لَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَالشَّافِعِيُّ رضي الله عنه أَخَذَ جَوَازَ بَيْعِهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"أَرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟"كَذَلِكَ قَالَ فِي الْأُمِّ، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ الَّتِي تُقْطَعُ لِآفَةٍ تَأَتِّي عَلَيْهَا، فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ مَا يُتْرَكُ مُدَّةً تَكُونَ فِيهَا الْآفَةُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِيهِ خِلَافٌ. وَأَمَّا هَذِهِ الْعِلَّةُ فَمَنْصُوصَةٌ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْتِفَادَةَ التَّعْلِيلِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ ظَاهِرَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى دَرَجَاتِ الْإِيمَاءِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَدِلَّةِ الْعِلَّةِ، وَلَعَلَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ رحمه الله: إنَّمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ، فَلَعَلَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ، لَكِنْ فِي الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ منها: قَوْلُهُ:"حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ"، ومنها: قَوْلُهُ:"حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا"، يَعْنِي: أَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاحِ تَأْمَنُ مِنْ الْعَاهَاتِ وَالْجَوَائِحِ غَالِبًا لِكِبَرِهَا، وَغِلَظِ نَوَاهَا، وَقَبْلَ الصَّلَاحِ تُسْرِعُ إلَيْهَا الْعَاهَاتُ لِضَعْفِهَا، فَإِذَا تَلِفَتْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ. فَإِذَا شَرَطَ الْقَطْعَ عُرِفَ أَنَّ غَرَضَهُ هُوَ الْحِصْرِمُ وَهُوَ حَاصِلٌ، وَقِيلَ مَعْنًى آخَرُ ضَعِيفٌ نَقَلَهُ الْإِمَامُ، وَهُوَ - أَنَّهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ1 - أَجْزَاؤُهَا كِبَرًا ظَاهِرًا مِنْ أَجْزَاءِ الشَّجَرَةِ، وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ
فرع: إذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ، فَلَوْ سَمَحَ الْبَائِعُ بَعْدَ شَرْطِ الْقَطْعِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِتَرْكِ الثَّمَرَةِ إلَى بُدُوِّ الصَّلَاحِ جَازَ، وَلَوْ طَالَبَهُ بِالْقَطْعِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالصَّيْمَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَكُونُ بُدُوُّ الصَّلَاحِ كَكِبَرِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَتَعُودُ الثَّمَرَةُ إلَى الْبَائِعِ، وَقَدْ يَقْوَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْغَرَرَ إنَّمَا يَنْتَفِي بِأَخْذِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله: لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ قَبْلَ أَنْ يَتْلَفَ، فَمَتَى لَمْ يُؤْخَذْ - وَإِنْ كَانَ بِتَرَاضِيهِمَا - فَالْغَرَرُ بَاقٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى عَدَمِ شَرْطِ الْقَطْعِ لَمْ يَصِحَّ؟
وَطَرِيقُ الِانْفِصَالِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ: أَنَّ الْمَحْذُورَ آفَةٌ تَمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَأْمُونٌ، فَإِنَّ التَّسْلِيمَ الْمُسْتَحَقَّ فِيهَا التَّسْلِيمُ عَقِيبَ الْعَقْدِ، فَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَى إبْقَائِهَا وَحَصَلَتْ آفَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مَانِعَةً مِنْ التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْلَقَ أَوْ شَرَطَ التَّبْقِيَةَ، فَإِنَّ التَّسْلِيمَ الْمُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ هُوَ وَقْتُ الْجِذَاذِ، فَالْآفَةُ قَبْلَهُ مَانِعَةٌ مِنْهُ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مَا يُشْبِهُ قَوْلَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْيَمَانِيُّ التَّابِعِيُّ، صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّعِيرِ لِلْعَلْفِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ إذَا كَانَ يَحْصُدُهُ مِنْ مَكَانِهِ، فَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ حَتَّى يَصِيرَ طَعَامًا فَلَا بَأْسَ بِهِ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بياض بالأصل قلت: ولعل العبارة هكذا: أنها قبل بدو الصلاح إذا قطعت يكون جزء كبير من أجزائها. (ط) .