فهرس الكتاب
ج / 11 ص -86- تَلِفَتْ ضَاعَ الثَّمَنُ، ثُمَّ اعْتَرَضُوا بِمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَوْلِهِ: إنَّ النَّهْيَ كَانَ كَالْمَشُورَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا أَيْضًا عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ:
أحدهما: أَنَّ تَأْوِيلَ الرَّاوِي مَرْجُوعٌ إلَيْهِ إذَا احْتَمَلَ الْخَبَرُ أَمْرَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ، كَتَفْسِيرِ التَّفَرُّقِ فِي خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَكَقَوْلِهِ إلَّا هَا وَهَا تَفْسِيرُ عُمَرَ1 لَهُ، أما: فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَمُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ فَلَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَ رِوَايَةِ زَيْدٍ وَقَوْلِهِ: إنَّهُ حَضَرَ تَقَاضِيَهُمْ أَنَّهُ كَانَ قَدْ وَقَعَ عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَلَا يُقَالُ: وَقْتُ التَّقَاضِي بَعْدَ مُدَّةٍ إلَّا إذَا كَانَ مَشْرُوطًا، وَهَذَا الظَّاهِرُ مَشْرُوطٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى شَرَطَ التَّبْقِيَةَ بَطَلَ، ثُمَّ لَا وَجْهَ لِتَمَسُّكِ الْحَنَفِيَّةِ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ شَرْطَ التَّبْقِيَةِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، كَمَا يَمْنَعُونَهُ قَبْلَهُ. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ، وَحَمَلَ الْغَزَالِيُّ فِي التَّحْصِينِ الْمَشُورَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى تَعَرُّفِ أَحْوَالِ الثَّمَرَةِ وَنَجَاتِهَا مِنْ الْعَاهَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالزَّهْوِ فَلَمَّا عَرَفَ الْعِلَّةَ بِالْمَشُورَةِ أَثْبَتَ حُكْمَ الشَّرْعِ بِنَاءً عَلَى الْعِلَّةِ كَمَا قَالَ لِلسَّائِلِ:"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ؟ وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ حَالَةَ الِاحْتِيَاجِ قَالَ: فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟"، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ أَخْذِ الْمَالِ مَعَ تَوَقُّعِ الْهَلَاكِ عَنْ قُرْبٍ.
قلت: وَقَدْ قَدَّمْتُ مَا يُرَجِّحُ تَأْوِيلَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَبِيعُ ثِمَارَ أَمْوَالِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا، فَيَتَبَيَّنَ الْأَحْمَرَ مِنْ الْأَصْفَرِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: رضي الله عنهم أَنَّهُ لَا يُبَاعُ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْ الثَّمَرِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا: أَنَّ الْعَقْدَ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ؛ لِأَنَّهَا الْمُعْتَادُ، فَلَوْ كَانَ فِي الْبِلَادِ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ كَرْمٌ لَا تَنْتَهِي ثِمَارُهَا إلَى الْحَلَاوَةِ، وَاعْتَادَ أَهْلُهَا قَطْعَ الْحِصْرِمِ، فَفِي بَيْعِهَا وَجْهَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ؛ تَنْزِيلًا لِعَادَاتِهِمْ الْخَاصَّةِ مَنْزِلَةَ الْعَادَاتِ الْعَامَّةِ، فَيَكُونُ الْمَعْهُودُ كَالْمَشْرُوطِ، وَامْتَنَعَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرَوْا تَوَاطُؤَ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ بِمَثَابَةِ الْعَادَاتِ الْعَامَّةِ، وَهَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي فِيمَا إذَا جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ بِانْتِفَاعِ الْمُرْتَهِنِ بِالْمَرْهُونِ، وَالْقَفَّالُ يَرَى اطِّرَادَ الْعَادَةِ فِيهِ كَشَرْطِ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ فَيَفْسُدُ الرَّهْنُ. وَأَشَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى تَخْرِيجِ ذَلِكَ عَلَى مَهْرِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَأَنَّ هَذَا أَقْرَبُ مِنْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ إعْمَالَ التَّوَاطُؤِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ إلْغَاءُ صَرِيحِ اللُّغَةِ الثَّابِتَةِ، فَقَدْ لَا يُحْتَمَلُ، وَمِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ مَا جَرَتْ عَادَةُ شَخْصٍ بِأَنْ يَرُدَّ أَجْوَدَ مِمَّا اسْتَقْرَضَ، فَالْمَذْهَبُ: جَوَازُ إقْرَاضِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَهَذِهِ مَسَائِلُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةُ الْمَأْخَذِ، وَالْمُخَالِفُ فِي بَعْضِهَا لَعَلَّهُ يُخَالِفُ فِي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المراد بتفسير عمر له أي زمن لايسمح بالتبقية, وقد يكون اللفظ (تفسير عمومه, وهو ليس بتفسير للعموم في الحديث ولكنه استثناء إلا من العموم فهو مخصص منه ولكن قوله بعد ذلك أما في تخصيص العموم يفيد أن رأيه هكذا.(المطيعي) .