فهرس الكتاب

الصفحة 3763 من 4102

ج / 11 ص -87- الْبَاقِي، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُ فِي نَقْلِ مَسْأَلَةِ الْحِصْرِمِ - عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَمَسْأَلَةِ الرَّهْنِ عَنْ الْقَفَّالِ - مَا فِي النِّهَايَةِ.،

وَالرَّافِعِيُّ نَقَلَ مَسْأَلَةَ الْحِصْرِمِ عَنْ الْقَفَّالِ، فَإِمَّا لِنِسْبَةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إلَيْهِ، وَإِمَّا لِنَقْلٍ خَاصٍّ عِنْدَهُ، وَفِي الْوَسِيطِ نَسَبَهُ إلَى الْمَنْعِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَى الْقَفَّالِ، وَنَسَبَهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ إلَى الْخَلَلِ وَالتَّهَافُتِ، أما: الْخَلَلُ فَلِمَا ذَكَرْتُهُ، وأما: التَّهَافُتُ فَفِي قَوْلِهِ: الْمَنْعُ وَتَأْوِيلُهُ: أَنَّهُ خَالَفَ مَنْ أَبْطَلَ فِي مَسْأَلَةِ الْحِصْرِمِ، وَخَالَفَ مَنْ صَحَّحَ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ مُبَايِنٌ لِكَلَامِ الْقَفَّالِ؛ لِأَنَّ الْقَفَّالَ اعْتَبَرَ الْعَادَةَ وَحْدَهَا، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ اعْتَبَرَ الْعَادَةَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ لَا يَنْتَهِي إلَى الْحَلَاوَةِ، فَقَدْ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ حَالَةَ كَمَالِهِ، حَتَّى لَوْ جَرَتْ عَادَةٌ بِقَطْعِ الْعِنَبِ الَّذِي يَجِيءُ مِنْهُ عِنَبٌ حِصْرِمٌ، صَحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَفَّالِ بِدُونِ شَرْطِ الْقَطْعِ، وَمِنْ ذَلِكَ يَخْرُجُ فِي مَسْأَلَةِ الْحِصْرِمِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مُحْتَمَلٌ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ النَّاقِلِينَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ إنَّمَا اعْتَبَرَ الْعَادَةَ، وَإِنَّمَا فَرَضْنَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُعْتَادُ قَطْعُهُ حِصْرِمًا، أما: أَنَّ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُ فِي الْحُكْمِ فَيَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ وَمَنْعُ الْقَفَّالِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى مَنْعِ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ، وَمَنْعِ وُجُوبِ التَّبْقِيَةِ فِي الْحِصْرِمِ وَحَمْلِ الْحِصْرِمِ عَلَى مَا بَدَا صَلَاحُهُ؛ لِقَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ: إنَّ الْحِصْرِمَ أَوَّلُ الْعِنَبِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ تَبْقِيَتُهُ إلَى أَوَانِ الْجِذَاذِ، كَمَا يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَهَذَا حَمْلٌ حَسَنٌ أَيْضًا لَكِنَّ الْأَقْرَبَ أَنَّ الْحِصْرِمَ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، وَقَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ مَعْنَاهُ: أَوَّلُ الثَّمَرَةِ الَّتِي نِهَايَتُهَا عِنَبٌ.

وَاعْلَمْ: أَنَّ هَهُنَا أُمُورًا أَرْبَعَةً يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا أحدها: الْعُرْفُ والثاني: الْعَادَةُ، وَيَنْقَسِمُ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى عَامٍّ وَخَاصٍّ، وَالْعُرْفُ غَيْرُ الْعَادَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْعُرْفِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَبَادُرِ الذِّهْنِ مِنْ لَفْظٍ إلَى مَعْنًى مِنْ اللَّفْظِ، كَمَا تَقُولُ: الدَّابَّةُ: حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ عَامَّةٌ فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَالْجَوْهَرُ: حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ خَاصَّةٌ فِي الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْعَادَةِ مَا هُوَ مَأْلُوفٌ مِنْ الْأَفْعَالِ وَمَا أَشْبَهَهَا، فَهَذَانِ قِسْمَانِ مُتَغَايِرَانِ، الْعَادَةُ وَالْعُرْفُ، وَقَدْ تُجْعَلُ الْعَادَةُ أَعَمُّ، وَتُقْسَمُ إلَى عَادَةٍ قَوْلِيَّةٍ وَهِيَ مَا سَمَّيْنَاهُ بِالْعُرْفِ، وَعَادَةٍ فِعْلِيَّةٍ وَهِيَ مُقَابِلُهُ. وَقَدْ يُطْلَقُ الْعُرْفُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَالْأَمْرَانِ الْآخَرَانِ أحدهما: الْأَلْفَاظُ الَّتِي تُطْلَقُ فِي الْعُقُودِ، وَفِي تَقْيِيدِ مُطْلَقِهَا، وَتَفْسِيرِ مُجْمَلِهَا والثاني: مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تُجْعَلُ كَأَنَّهَا شُرِطَتْ فِي الْعَقْدِ.

وَهَذَانِ أَمْرَانِ مُغَايِرَانِ أَيْضًا، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَرْجِعُ إلَى تَنْزِيلِ لَفْظٍ مُطْلَقٍ جَرَى فِي الْعَقْدِ عَلَى مَعْنًى، كَحَمْلِ الدِّرْهَمِ عَلَى الدِّرْهَمِ الْمُتَعَارَفِ فِي الْبَلَدِ، وَحَمْلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى السَّلِيمِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ دُونَ الْمَعِيبِ، وَالثَّانِي: يَرْجِعُ إلَى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَضْمُونٍ إلَى الْعَقْدِ كَمَسْأَلَتِنَا هَذِهِ، فَاعْتِبَارُ الْعُرْفِ الْعَامِّ لَا شَكَّ فِيهِ فِي تَقْيِيدِ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ كَمَا لَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَابَّةً، لَمْ يَشْتَرِ إلَّا ذَوَاتَ الْأَرْبَعِ، وَالْعُرْفُ الْخَاصُّ كَالِاصْطِلَاحِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْأَلْفِ أَلْفَيْنِ فِي مَهْرِ السِّرِّ وَمَهْرِ الْعَلَانِيَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت