فهرس الكتاب
ج / 11 ص -88- وأما: الْعَوَائِدُ الْفِعْلِيَّةُ فَإِنْ كَانَتْ خَاصَّةً، فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا، وَإِنْ عَمَّتْ وَاطَّرَدَتْ فَقَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى اعْتِمَادِهَا، وَذَكَرُوا لَهَا أَمْثِلَةً:
منها: تَنْزِيلُ الدَّرَاهِمِ الْمُرْسَلَةِ فِي الْعُقُودِ عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ، وَهَذَا إنْ قَدَّمْتُهُ فِي قِسْمِ الْعُرْفِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْعَادَةَ أَوْجَبَ اطِّرَادَهَا فَهْمُ أَهْلِ الْعُرْفِ ذَلِكَ النَّقْدَ مِنْ اللَّفْظِ، فَالرُّجُوعِ فِي ذَلِكَ إلَى مَا يَفْهَمُهُ أَهْلُ الْعُرْفِ مِنْ اللَّفْظِ إلَى الْعَادَةِ ومنها: أَنَّا لَا نُخْرِجُ الْمُتَكَارِسَ إلَى ذِكْرِ الْمَنَازِلِ، وَتَفْصِيلِ كَيْفِيَّةِ الْأَجْزَاءِ، وَهَذَا مِثَالٌ صَحِيحٌ، وَهِيَ مِنْ قِسْمِ مَا يَرْجِعُ إلَى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَضْمُومٍ إلَى الْعَقْدِ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَحْوَالِ الْعُقُودِ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ كَالتَّسْلِيمِ وَالْقَطْعِ، وَالتَّبْقِيَةِ، كَبَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الْبَهِيمَةِ الْمُكْرَاةِ، وَالْمِقْدَارِ الَّذِي يُطْوَى فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَوُجُوبِ تَسْلِيمِ الْإِكَافِ وَالثَّفْرُ وَاللِّجَامِ وَجَمِيعِ الْأَدَوَاتِ عِنْدَ اسْتِئْجَارِ الدَّابَّةِ.
وَضَابِطُهُ: كُلُّ مَا غَلَبَ عَلَى وَجْهٍ يَسْبِقُ مُقْتَضَاهُ مِنْ اللَّفْظِ إلَى الْفَهْمِ، سَبَقَ الْمَنْطُوقَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يُعَدُّ التَّعَرُّضُ لَهُ مُسْتَقْصِيًا، مُشْتَغِلًا بِمَا لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ، وَكَثِيرًا مَا يُسَمِّي الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عُرْفًا لِعُمُومِهِ؛ وَلِأَنَّ فَهْمَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ صَارَ فِي الْعُرْفِ لِمَفْهُومِ اللَّفْظِ، فَالْتَحَقَ بِالْعَادَةِ الْقَوْلِيَّةِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَكُلُّ مَا يَتَّضِحُ فِيهِ اطِّرَادُ الْعَادَةِ فَهُوَ الْحُكْمُ، وَمُضْمَرُهُ كَالْمَذْكُورِ صَرِيحًا، وَكُلُّ مَا يَتَعَارَضُ لِلظُّنُونِ بَعْضَ التَّعَارُضِ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ فِيهِ، فَهُوَ مَثَارُ الْخِلَافِ، يَعْنِي مَا تَتَعَارَضُ الظُّنُونُ فِي اطِّرَادِهِ، وَأَمَّا مَا لَا يَطَّرِدُ جَزْمًا، فَلَا يُعْتَبَرُ، وَقَدْ أَطْلَقَ الْأُصُولِيُّونَ: أَنَّ الْعَادَةَ الْفِعْلِيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ، فَلَا تُخَصِّصُ عَامًّا، وَلَا تُقَيِّدُ مُطْلَقًا، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا، وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ خُبْزِ الشَّعِيرِ وَلُبْسِ الْكَتَّانِ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ إلَّا الْقَمْحَ وَلَا يَلْبَسَ إلَّا الْحَرِيرَ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ نَاسِخٌ لِلُّغَةِ وَنَاقِلٌ لِلَّفْظِ، وَالْفِعْلُ لَا يُنْقَلُ وَلَا يُنْسَخُ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللُّغَةِ، وَإِطْلَاقُهُمْ فِي ذَلِكَ الصَّحِيحَ وَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرُ مُعَارِضٍ لَهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ أَشَارَ الْإِمَامُ أَيْضًا إلَى تَخْرِيجِ مَسْأَلَةِ قَطْعِ الْعِنَبِ حِصْرِمًا عَلَى خِلَافِ الْأَصْحَابِ فِي أَنَّ الشَّيْءَ النَّادِرَ إذَا اطَّرَدَ، كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ فِي بَعْضِ الْأَصْقَاعِ، هَلْ يُعْطَى حُكْمَ الْعَامِّ فَيُعْفَى عَنْهُ، وَقَطْفُ الْعِنَبِ حِصْرِمًا فِي غَايَةِ النُّدُورِ، فَإِنْ فُرِضَ اطِّرَادُ عَادَةِ بُقْعَةٍ بِهِ، فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ النُّدُورِ.
فرع: لَوْ بَاعَ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا عَلَى شَجَرَةٍ مَقْلُوعَةٍ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَا نَصَّ فِيهِ قَالَ وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ بَيْعُهَا مُطْلَقًا مِنْ دُونِ شَرْطِ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْمُو وَلَا تَأْخُذُ مِنْ أَجْزَاءِ الشَّجَرَةِ لَوْ بَقِيَتْ عَلَيْهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
قلت: وَهَذَا يُشِيرُ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَاسْتَضْعَفْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُخْشَى عَلَيْهَا الْعَاهَةُ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ لِأَجْلِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ لَا يَجِبُ تَبْقِيَتُهَا عَلَى الشَّجَرَةِ فِيمَا يَظْهَرُ لِي، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ قَطْعُهَا فِي الْحَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى الصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا الْخُوَارِزْمِيُّ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْعَقْدَ يُحْمَلُ عَلَى الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ فِيهِ الْقَطْعُ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إذَا بِيعَتْ الثِّمَارُ مُفْرَدَةً عَنْ الْأَشْجَارِ مِنْ غَيْرِ مَالِكِ الْأَشْجَارِ.