فهرس الكتاب
ج / 11 ص -91- حَصَلَ تَسْلِيمُهَا تَامًّا فَحَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ الْعَاهَةِ فِي يَدِ الْبَائِعِ بِكُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُقْتَضِي لِبُطْلَانِ بَيْعِهَا وَحْدَهَا، مَعْقُودٌ فِي بَيْعِهَا مَعَ الشَّجَرَةِ، فَتَعْلِيلُ الصِّحَّةِ بِهَذَا الْمَأْخَذِ أَسْلَمُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِالتَّبَعِيَّةِ، لِمَا عَرَفْتَهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: ظَاهِرُ مَا حَكَيْتُهُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ فِي بَيْعِ الدَّارِ بِمَسِيلِهَا وَأَفْنِيَتِهَا وَطُرُقِهَا، وَهِيَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَكَيْفَ يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَى أَمَاكِنَ لَمْ يَرَهَا الْعَاقِدُ؟ قلت: يُغْتَفَرُ ذَلِكَ تَبَعًا كَالْأَسَاسِ، وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: أَنَّ مَا دَخَلَ فِي مُسَمَّى الْبَيْعِ وَكَانَ جُزْءًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مَعَهُ كَحَشْوِ الْجُبَّةِ وَالْأَسَاسِ، وَمَا كَانَ خَارِجًا عَنْ مُسَمَّاهُ وَلَيْسَ بِجُزْءٍ مِنْهُ، ظَاهِرُ النَّصِّ الَّذِي حَكَيْتُهُ: يَقْتَضِي الْجَوَازَ فِيهِ أَيْضًا، لِأَنَّ الْمَسِيلَ وَالطُّرُقَ خَارِجَةٌ. وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَالْحَمْلُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَالْجُزْءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ فِيهِ. وَإِنْ صَحَّ فِي تِلْكَ تَخْرِيجًا عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ لَا يُعْلَمُ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ: وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ وَيَشْتَرِطَ عِقَابهَا1، هَذَا كُلُّهُ إذَا جَعَلَهُ مَقْصُودًا بِأَنْ قَالَ: بِعْتُكَ النَّخْلَةَ وَثَمَرَتَهَا، أَوْ الْجَارِيَةَ وَحَمْلَهَا. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَبْدَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُصَنِّفُ.
وأما: مَا ادَّعَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاشْتِرَاطِ. كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ هَذِهِ النَّخْلَةَ بِشَرْطِ أَنَّ ثَمَرَتَهَا لَكَ. فَإِنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ لِلْحَدِيثِ. أَمَّا إذَا أَتَى بِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ النَّخْلَةَ وَثَمَرَتَهَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لَكِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا حِصَّةَ لِلثَّمَرَةِ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُهُ إذَا اشْتَرَاهَا مُشْتَرِي النَّخْلَةِ بَعْدَ شِرَاءِ النَّخْلَةِ. وَهُوَ بَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مَعَ الْأُصُولِ وَلَا فِيهَا إلَّا بِالِاشْتِرَاطِ فَقَطْ أَخْذًا بِظَاهِرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَلِلْأَوَّلِينَ أَنْ يَقُولُوا: إنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِدْخَالِهَا بِالشَّرْطِ إلَّا إدْخَالُهَا فِي الْبَيْعِ. وَإِلَّا فَهِيَ لَا تَدْخُلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَمَتَى أَدْخَلَهَا فِي الْبَيْعِ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ فَقَدْ صَارَتْ مَبِيعَةً مَعَ الشَّجَرِ. نَعَمْ هَلْ تُقَابَلُ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ لَا؟ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ هُنَا بِأَنَّهَا تُقَابَلُ بِقِسْطٍ. وَقَالَ فِي الْحَمْلِ هُنَا: إنَّهُ لَا يُقَابَلُ بِقِسْطٍ، مَعَ أَنَّ الْأَصَحَّ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُقَابَلُ أَيْضًا.
فرع: هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ مَعَ الْأُصُولِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ، لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِيمَا أَعْلَمْهُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ رحمه الله: بَلْ لَا يَجُوزُ شَرْطُ الْقَطْعِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَجْرِ عَلَى الشَّخْصِ فِي مِلْكِهِ، وَسَبَقَهُ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَقَالَ: إنَّهُ لَوْ شَرَطَهُ بَطَلَ قلت: يُرَدُّ عَلَيْهِ إذَا بَاعَ الثَّمَرَةَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْأَصْلَ، فَإِنَّ شَرْطَ الْقَطْعِ فِيهِ حَجْرٌ عَلَى الشَّخْصِ فِي مِلْكِهِ يُعَيِّنُ مَا قَالَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وُجُوبُهُ، وَعَلَّلَ الْخُوَارِزْمِيُّ الْمَنْعَ: بِأَنَّهُ يَضُرُّ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، إذْ مُقْتَضَاهُ الْإِبْقَاءُ، ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ: بِأَنَّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مُطْلَقُ الْعَقْدِ مِنْ الْعَادَةِ بَيْنَ النَّاسِ لَا يَصِيرُ قَضِيَّةً لَازِمَةً كَالْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى الْحُلُولِ وَالنَّقْدِ الْغَالِبِ، ثُمَّ لَوْ عَيَّنَ نَقْدًا لَا أَجَلًا صَحَّ. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: يُشْبِهُ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ فِيمَا إذَا شَرَطَ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ أَنْ لَا يَكْسُوَهُ إلَّا كَذَا أَنْ يَصِحَّ وَيُلْغَى الشَّرْطُ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لعله (عقالها) أو عقبها أي ما تخلفه من زيادات منفصلة عنها, والله أعلم.