فهرس الكتاب
ج / 11 ص -97- يَدُلُّ كَلَامُ ابْنِ الْحَدَّادِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: هُوَ الصَّحِيحُ قلت: قَدْ قَدَّمْتُ فِي بَابِ الرِّبَا فِي جَوَازِ قِسْمَةِ الثِّمَارِ عَلَى الْأَشْجَارِ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ، لَا يَجُوزُ قَطْعًا. وَفِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ ثَلَاثُ طُرُقٍ: أَصَحُّهَا: وَهِيَ الَّتِي رَجَّحَهَا صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالْمَحَامِلِيُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا إفْرَازٌ والثاني: تَخْرِيجُهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ والثالث: يَجُوزُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا بَيْعٌ، وَمَحَلُّ الطُّرُقِ الثَّلَاثِ عَلَى مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمَحَامِلِيُّ مَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، أما: قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَلَا يَجُوزُ جَزْمًا، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ مُطْلَقًا، وَفُتِيَا ابْنِ الْحَدَّادِ هُنَا وَمَنْ وَافَقَهُ صَحِيحَةٌ فِي غَيْرِ الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ جَزْمًا، وَفِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ إمَّا جَزْمًا عَلَى مَا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ، وَإِمَّا عَلَى الْأَصَحِّ إذَا جَعَلْنَا الْخِلَافَ مُطْلَقًا.
وَمَا صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ تَخْرِيجِهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقِسْمَةِ - وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ - فَلَيْسَ فِيهِ تَصْحِيحٌ لِلْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ هُنَا، أَمَّا الْأَصَحُّ عِنْدَهُ فِي الْقِسْمَةِ وَقَدْ صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الرِّبَا: أَنَّ قِسْمَةَ ذَلِكَ تَبَعٌ، فَيَكُونُ الْأَصَحُّ عِنْدَهُ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِسْمَتُهَا، وَإِنْ كَانَ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ حَكَى اخْتِلَافَ التَّصْحِيحِ فِي قِسْمَةِ الْمُتَشَابِهَاتِ. وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى مَا أَفْهَمَهُ نَقْلُ الرَّافِعِيِّ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ مِنْ آخِرِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَاَلَّذِي ادَّعَاهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْبُطْلَانِ، وَأَنَّ ابْنَ الْحَدَّادِ عَلَّلَهُ بِامْتِنَاعِ الْقِسْمَةِ وَغَلَّطَهُ الْأَصْحَابُ فِي التَّعْلِيلِ، وَأَنَّ أَبَا الطَّيِّبِ قَالَ: الصَّحِيحُ مَا عَلَّلَ بِهِ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ، فَالتَّصْحِيحُ حِينَئِذٍ فِي التَّعْلِيلِ وَلَا خِلَافَ فِي الْحُكْمِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي بَابِ الْآجَالِ مِنْ الْأُمِّ: إنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ الْقَوْمِ حَائِطٌ فِيهِ الثَّمَرُ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، فَأَرَادُوا اقْتِسَامَهُ فَلَا يَجُوزُ قَسْمُهُ بِالثَّمَرَةِ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَدَا صَلَاحُهَا لَمْ يَجُزْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ لِلنَّخْلِ وَالْأَرْضِ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ، وَلِلثَّمَرَةِ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ. فَتَقَعُ الثَّمَرَةُ بِالثَّمَرَةِ مَجْهُولَةً، لَا بِخَرْصٍ وَلَا تَبَعٍ، وَلَا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ إلَّا أَنْ يَقْتَسِمَا الْأَصْلَ، وَتَكُونَ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا مُشَاعًا إنْ كَانَتْ لَمْ تَبْلُغْ، أَوْ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ، غَيْرَ أَنَّهَا إذَا بَلَغَتْ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْتَسِمَاهَا بِالْخَرْصِ قَسْمًا مُنْفَرِدًا، وَإِنْ أَرَادَا أَنْ يَقْتَسِمَا الثَّمَرَةَ مَعَ النَّخْلِ اقْتَسَمَاهَا بِبَيْعٍ مِنْ الْبُيُوعِ، فَيُقَوِّمَا كُلَّ سَهْمٍ بِأَرْضِهِ وَشَجَرِهِ وَثَمَرِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهَذَا الْبَيْعِ لَا بِقُرْعَةٍ. وَإِذَا اخْتَلَفَ فَكَانَ نَخْلًا وَكَرْمًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقْسَمَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَفِيهِمَا ثَمَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَفَاضُلِ الثَّمَرَةِ بِالثَّمَرَةِ تُخَالِفُهَا رِبًا فِي يَدٍ بِيَدٍ انْتَهَى، فَهَذَا نَصٌّ فِي امْتِنَاعِ الْقِسْمَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَأَوَّلُهُ يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَيْضًا، لَكِنَّ قَوْلَهُ: غَيْرَ أَنَّهَا إذَا بَلَغَتْ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْتَسِمَاهَا بِالْخَرْصِ قَسْمًا مُنْفَرِدًا يَقْتَضِي جَوَازَ قَسْمِهَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
واعلم: أَنَّ ابْنَ الْحَدَّادِ عَلَّلَ الْمَنْعَ فِي ذَلِكَ بِامْتِنَاعِ الْقِسْمَةِ كَمَا رَأَيْتَ، وَغَلَّطَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي التَّعْلِيلِ، وَقَالَ: لَيْسَ الْعِلَّةُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قِسْمَتُهَا، فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ وَإِنْ قُلْنَا: قِسْمَتُهَا صَحِيحَةٌ، وَإِنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْقَطْعِ لَا يَصِحُّ فِيهَا؛ لِأَنَّ نِصْفَهَا مُشَاعًا لَا يُمْكِنُ قَطْعُهُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالتَّعْلِيلُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ كَذَلِكَ. قَالَ فِي الصُّلْحِ: لَوْ كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَصَالَحَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى نِصْفِ الزَّرْعِ لَمْ يَجُزْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الزَّرْعَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْسَمَ أَخْضَرَ، وَلَا يُجْبِرُ شَرِيكَهُ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ مِنْهُ