فهرس الكتاب
ج / 11 ص -102- الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ - مُطَّرِدٌ فِي ابْتِيَاعِ الشَّجَرَةِ عَلَى شَرْطِ الْقَطْعِ مِنْ الْمَغْرِسِ، وَابْتِيَاعُ الْبِنَاءِ كَذَلِكَ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبِيعَهَا مُطْلَقًا فَيَجُوزَ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ لِلْخَبَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ، وَبِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه وَالْأَصْحَابُ: وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلْمُشْتَرِي تَرْكُهَا إلَى أَوَانِ الْجِذَاذِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه: يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي قَطْعُهَا فِي الْحَالِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ. وَإِطْلَاقُهُ عِنْدَنَا يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ بِالْعُرْفِ وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ:"أَرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟"قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: هَذَا التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرَةِ مُطْلَقًا يُوجِبُ تَبْقِيَتَهَا إلَى أَوَانِ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ قَطْعُهَا فِي الْحَالِ لَمْ تَكُنْ تُعَرَّضُ لِلْجَائِحَةِ وَالتَّلَفِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إنَّ هَذَا كَمَنْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِدَرَاهِمَ وَلَا لِدَنَانِيرَ. وَكَانَتْ قِيمَتُهُ فِي الْعُرْفِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَالْعُرْفُ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَاقِدَ لَا يَشْتَرِيهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَمَعَ ذَلِكَ الْعَقْدُ بَاطِلٌ.
وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا: بِأَنَّ فِي الْعُرْفِ مَنْ أَطْلَقَ الْأَلْفَ اتِّكَالًا عَلَى الْعُرْفِ لِمَنْ يُنْسَبُ إلَى الْجَهْلِ. وَمَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِبْقَاءِ وَطَمِعَ فِي الْإِبْقَاءِ لَا يُنْسَبُ إلَى الْجَهْلِ وَلَا يُعَدُّ مُقَصِّرًا بِتَرْكِهِ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ فَيَصِحَّ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رحمهما الله: لَا يَصِحُّ تَمَسُّكًا بِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي مُقْتَضَى هَذَا الْعَقْدِ الْخَاصِّ لِلتَّبْقِيَةِ، وَعَنْ الثَّانِي بِمَا إذَا اشْتَرَى دَارًا وَلِلْبَائِعِ فِيهَا مَتَاعٌ، فَإِنَّهُ يَنْقُلُهُ عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ وَتَمَسَّكَ الْمُصَنِّفُ وَأَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِالْخَبَرِ وَمَفْهُومِ الْغَايَةِ فِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ لَا سِيَّمَا وَأَبُو حَنِيفَةَ يُنْكِرُ مَفْهُومَ الْغَايَةِ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ بَعْضُ الْمُنْكَرِينَ لِلْمَفْهُومِ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْقِيَاسِ مَبْنِيٌّ عَلَى اقْتِضَاءِ الْعُرْفِ لِذَلِكَ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
فرع: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا جَازَ بَيْعُهَا. وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ: أَنَّ الْمَنْعَ الَّذِي كَانَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ يَرْتَفِعُ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِشُرُوطِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَوَاضِعِهَا، فَالشَّعِيرُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ فِي سُنْبُلِهِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ ثَمَرَةٍ بَارِزَةٍ كَالتُّفَّاحِ وَالْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ وَالْكُمَّثْرَى، أَوْ زَرْعٍ بَارِزٍ حَبُّهُ فِي غَيْرِ كِمَامٍ، كَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ. وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مَسْتُورًا بِقِشْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَصْلَحَتُهُ فِي بَقَائِهِ فِيهَا كَالرُّمَّانِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْأُرْزِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ. وَأَمَّا مَا عَلَيْهِ قِشْرَةٌ يَتَحَفَّظُ بِغَيْرِهَا كَالْقُطْنِ وَالسِّمْسِمِ وَالْعَدَسِ. أَوْ قِشْرَتَانِ إمَّا كَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ وَالْجَوْزِ، وَإِمَّا كَالْبَاقِلَّاءِ وَاللَّوْزِ وَالرُّطَبِ فَلَا يَجُوزُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَيْعَ الْبَاقِلَاءِ وَبَيْعَ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا فِي بَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ شَرْحِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا أَشَرْتُ إلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى بِقَوْلِي: إنَّ الْمَنْعَ الْأَوَّلَ ارْتَفَعَ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ، جَوَابٌ عَلَى تَمَسُّكِ الْخَصْمِ بِالْمَفْهُومِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ لَهُ عُمُومًا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ارْتِفَاعَ ذَلِكَ النَّهْيِ، أَمَّا ارْتِفَاعُ النَّهْيِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلَا. كَقَوْلِهِ:"أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ"فَهِيَ إذَا وَضَعَتْ يَرْتَفِعُ النَّهْيُ الَّذِي لِأَجْلِ النَّسَبِ، وَيَبْقَى النَّهْيُ لِأَجْلِ الْأَذَى حَتَّى تَغْتَسِلَ.