فهرس الكتاب

الصفحة 3780 من 4102

ج / 11 ص -104- فرع: فَإِنْ بَاعَ الثَّمَرَةَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مَعَ الْأُصُولِ وَالزَّرْعَ بَعْدَ أَنْ اشْتَدَّ حَبُّهُ مَعَ الْأَرْضِ نَظَرْتُ - فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ ظَاهِرَةً أَوْ كَانَ الزَّرْعُ كَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَنَحْوِهَا وَالْقُطْنِ إذَا ظَهَرَ جَمِيعُهُ - جَازَ: لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مُشَاهَدٌ، وَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالرَّانِجِ فِي قِشْرِهِ، وَكَانَ الْحَبُّ غَيْرَ ظَاهِرٍ كَالْحِنْطَةِ وَالْفُولِ وَالْحِمَّصِ وَمَا أَشْبَهَهُ، فإن قلنا: يَجُوزُ بَيْعُهَا مُفْرَدًا جَازَ مَعَ الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ، وإن قلنا: لَا يَجُوزُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَجْهُولٌ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، وَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الشَّجَرَةِ وَالْأَرْضِ، يُبْنَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فإن قلنا: لَا تُفَرَّقُ أَوْ تُفَرَّقُ وَلَكِنْ يَجُوزُ بِالْقِسْطِ بَطَلَ فِي الْجَمْعِ، وإن قلنا: يَجُوزُ بِكُلِّ الثَّمَنِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَمْسِكَ الْأَصْلَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ مَا دَفَعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا التَّفْصِيلُ كُلُّهُ فِي بَيْعِ الزَّرْعِ مِنْ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ.

فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، وَافَقَنَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ مَجْهُولَةٌ، فَأَشْبَهَ اشْتِرَاطَ تَرْكِ الْقُمَاشِ فِي الدَّارِ قُلْنَا: الشَّجَرَةُ لَا تُؤْجَرُ. وَلَا أُجْرَةَ لَهَا بِخِلَافِ الدَّارِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي الثِّمَارِ أَنْ يَطِيبَ أَكْلُهَا، فَإِنْ كَانَ رُطَبًا بِأَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ، وَإِنْ كَانَ عِنَبًا اسْوَدَّ بِأَنْ يَتَمَوَّهَ، وَإِنْ كَانَ أَبْيَضَ بِأَنْ يَرِقَّ وَيَحْلُوَ، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا بِأَنْ يَشْتَدَّ وَإِنْ كَانَ بِطِّيخًا بِأَنْ يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ، وَإِنْ كَانَ قِثَّاءً بِأَنْ يَكْبُرَ بِحَيْثُ يُؤْخَذُ وَيُؤْكَلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَنَسٌ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ"، وَرَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعَمَ"."

الشرح: أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْهُ: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ، وَفِي رِوَايَةٍ: ثَمَرِ النَّخْلِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْهُ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا يَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْجَمِيعَ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، لَكِنْ قَدَّمَ ذِكْرَ الثَّمَرَةِ عَلَى الْحَبِّ وَالْعِنَبِ، وأما: حَدِيثُ جَابِرٍ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رحمهما الله، وَلَفْظُهُمَا:"عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَطِيبَ"، وَعِنْدَهُمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ رضي الله عنه"أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشْقَحَ، فَقِيلَ وَمَا تُشْقَحُ؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا"، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ:"وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعَمَ"كَمَا ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ، فَإِذَا أَرَدْتَ عَزْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي فِي الْكِتَابِ عَلَى الْإِطْلَاقِ قُلْ: رِوَايَةُ مُسْلِمٍ.

وَقَوْلُهُ: يَتَمَوَّهُ قَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ: يَدُورُ فِيهَا الْمَاءُ الْحُلْوُ، وَيَصْفُو لَوْنُهَا، وَقَوْلُهُ: يَشْتَدُّ أَيْ يَصْلُبُ وَيَقْوَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: حَتَّى يُطْعِمَ - بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ - وَيُقَالُ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - وَضَبَطَهُ ابْنُ الْبَدْرِيِّ أَنَّهُ - بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْعَيْنِ - أَيْضًا وَهِيَ خَطَأٌ، قَالَ: مَعْنَاهُ حَتَّى تَصِيرَ طُعْمًا، وَقِيلَ: تَبْلُغُ حِينَ تُطْعَمُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ: صلى الله عليه وسلم"نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ"."وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ؛ لِأَنَّ وَقْتَ اشْتِدَادِهِ وَقْتُ مَبَادِي بَيَاضِهِ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت