فهرس الكتاب

الصفحة 3781 من 4102

ج / 11 ص -105- أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ"بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرِ بِطُلُوعِ الثُّرَيَّا"، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ، وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَجَمَاعَةٍ: أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ أَنْ يُوجَدَ فِي الثَّمَرَةِ مَا يُؤْكَلُ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَرَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ: أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ بِقُوَّةِ الثَّمَرَةِ وَاشْتِدَادِهَا، وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ مُحَقَّقٍ يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إنَّمَا أَطْلَقَ طُلُوعَ الثُّرَيَّا؛ لِأَنَّهُ أَوَانُ طِيبِ الثَّمَرَةِ غَالِبًا عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَتَبَايُنُ الْأَلْفَاظِ عَنْ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي إثْبَاتِ اخْتِلَافٍ. وَمَذْهَبُنَا: أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ يَرْجِعُ إلَى تَغَيُّرِ صِفَةٍ فِي الثَّمَرَةِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ، وَهُوَ عَلَى اخْتِلَافِهِ رَاجِعٌ إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا وَهُوَ طِيبُ الْأَكْلِ، وَفِي ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فَإِنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ اعْتَبَرَ الِاشْتِدَادَ فِي الْحَبِّ وَالِاسْوِدَادَ فِي الْعِنَبِ وَالزَّهْوَ فِي الثَّمَرَةِ، وَحَدِيثَ جَابِرٍ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ الطَّعْمِ فِي الثَّمَرَةِ، وَهِيَ تَشْمَلُ الْعِنَبَ وَغَيْرَهُ، فَيَكُونُ اعْتِبَارَ الِاسْوِدَادِ وَشَبَهِهِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلطَّعْمِ لَا لِعَيْنِهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ:"حَتَّى تَطِيبَ". قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَا يَصِحُّ ضَبْطُهُ بِطُلُوعِ الثُّرَيَّا؛ لِأَنَّ مِنْ الْبِلَادِ مَا يَتَأَخَّرُ فِيهِ صَلَاحُ الثَّمَرِ، أَوْ يَتَقَدَّمُ، بَلْ الْبَلَدُ الْوَاحِدُ قَدْ يَتَعَجَّلُ فِي عَامٍ، لِاشْتِدَادِ الْحَرِّ وَدَوَامِهِ، وَيَتَأَخَّرُ فِي آخَرَ لِاشْتِدَادِ الْبَرْدِ وَدَوَامِهِ، وَطُلُوعُ الثُّرَيَّا لَا يَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّهَا تَطْلُعُ بَعْدَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ بَشَنْسَ1 قَالُوا: وَكَذَلِكَ اعْتِبَارُهُ بِالْأَكْلِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ ثِمَارَ النَّخْلِ تُؤْكَلُ طَلْعًا وَبَلَحًا، وَالْكَرْمُ يُؤْكَلُ حِصْرِمًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ صَلَاحًا لَهُ، وَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ بِالْقُوَّةِ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ صَلَاحِهَا، وَإِذَا صَلُحَتْ لَانَتْ وَنَضِجَتْ.

وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه إلَى اخْتِلَافِ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي أَجْنَاسِ الثِّمَارِ بِقَوْلِهِ: وَلِلْخِرْبِزِ نُضْجٌ كَنُضْجِ الرُّطَبِ، فَإِذَا رَأَى ذَلِكَ فِيهِ حَلَّ بَيْعُ خِرْبِزِهِ2، وَالْقِثَّاءُ تُؤْكَلُ صِغَارًا طَيِّبًا، فَبُدُوِّ صَلَاحِهِ أَنْ يَتَنَاهَى عِظَمُهُ أَوْ عِظَمُ بَعْضِهِ.

وَاعْتَرَضَ: عَلَيْهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد بِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَنَا أَنَّهُ يُحِبُّ الْقِثَّاءَ، فَلَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ، أَوْ أَنْ يُعْلِمَنَا الْمَحْسُوسَاتِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْلِمَ النَّاسَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهُ ضَرُورَةً.

وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ: بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَصَدَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا طَعْمُهُ فِي الِابْتِدَاءِ مُخَالِفٌ لِمَا يَكُونُ فِي النِّهَايَةِ، وَأَنَّ الْقِثَّاءَ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي ابْتِدَائِهِ وَصِغَرِهِ طَعْمُهُ كَطَعْمِهِ فِي حَالِ كِبَرِهِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الثِّمَارِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي ابْتِدَائِهَا حَامِضَةً أَوْ مُرَّةً، ثُمَّ تَصِيرُ حُلْوَةً، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَمْ يَذْكُرُوا لِبُدُوِّ الصَّلَاحِ ضَابِطًا كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ، بَلْ جَعَلُوهُ مُخْتَلِفًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ.

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ الثِّمَارِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ أحدها: مَا يَكُونُ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِيهِ بِاللَّوْنِ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 بشنس, بفتح الباء والشين بعدهما نون وسين ساكنتان من الشهور القبطية وهي أدق الشهور وأضبطها بالسنة للديار المصرية في الزراعة والمناخ وتقلبات الفصول. (المطيعي)

2 والخربز بكسر الخاء وإسكان الراء وكسر الباء هو البطيخ عربي فصيح وقيل فارسي. (المطيعي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت