فهرس الكتاب
ج / 11 ص -110- قِيمَةِ عُشْرِهَا تَمْرًا، فَفِي الرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ يُفْصَلُ مَا بَيْنَهُمَا وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ أَوْ فِي الْعَيْنِ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ: يُرْجَعُ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ لِزَوَالِ يَدِهِ عَنْ عَيْنٍ. قَالَ ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا أَمَرَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ نَقْلًا عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ.
فرع: الزَّرْعُ الَّذِي يُخَلِّفُ كَالْقُرْطِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْبُقُولِ يَكُون مُتَزَايِدًا أَبَدًا، لَا وُقُوفَ لَهُ فَإِذَا بِيعَ مِنْهُ جَذَّةٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ الْقَطْعِ. وَلَا يُنْظَرُ فِي هَذَا الْقِسْمِ إلَى مَا يَقَعُ فِي زَمَنِ الْعَاهَاتِ، وَلَا إلَى طِيبِ الْأَكْلِ لِأَجْلِ الِاخْتِلَاطِ، قَالَهُ الْإِمَامُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ مَا يُخَالِفُهُ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ: إنَّهَا لَا تَزَالُ مُتَزَايِدَةً يُمْنَعُ، فَإِنْ فَرَضَ كَذَلِكَ فَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ الَّذِي يُعْلَمُ اخْتِلَاطُهَا.
فرع: إذَا اشْتَرَى الزَّرْعَ الَّذِي لَا يُخَلِّفُ، إمَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَإِمَّا قَبْلَهُ شُرِطَ الْقَطْعُ، وَقَدْ ظَنَنْتُ تَبْقِيَتَهُ إمَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَإِمَّا قَبْلَهُ بِاتِّفَاقِهِمَا، فَالزِّيَادَةُ الَّتِي تَحْصُلُ فِي الزَّرْعِ لِلْمُشْتَرِي بِالِاتِّفَاقِ، كَنُمُوِّ الثَّمَرَةِ إلَى وَقْتِ اتِّفَاقِ الْقَطْعِ، وَلَيْسَتْ كَزِيَادَةِ الزَّرْعِ الْمُخَلِّفِ، قَالَهُ الْإِمَامُ، وَالزَّرْعُ الَّذِي لَا يُخَلِّفُ لَوْ قُطِعَ يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي ظَاهِرَهُ، وَعُرُوقَهُ الْمُسْتَتِرَةَ بِالْأَرْضِ، قَالَهُ الْإِمَامُ قلت: فَيَجِيءُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حُصِدَ وَكَانَتْ عُرُوقُهُ تَضُرُّ بِالْأَرْضِ كَالذُّرَةِ، يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي قَلْعُهَا وَتَسْوِيَةُ الْحُفَرِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، مِثْلُهُ إذَا اشْتَرَى الْأَرْضَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْأَرْضِ لَمْ يَجِبْ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَسَنَذْكُرُ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَاطِ الرَّطْبَةِ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ مَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ هُنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ وُجِدَ بُدُوُّ الصِّلَاحِ فِي بَعْضِ الْجِنْسِ مِنْ حَائِطٍ جَازَ بَيْعُ [ذَلِكَ] الْجِنْسِ كُلِّهِ فِي ذَلِكَ الْحَائِطِ؛ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ إلَّا فِيمَا بَدَا صَلَاحُهُ فِيهِ، أَدَّى إلَى الْمَشَقَّةِ وَالضَّرَرِ بِسُوءِ الْمُشَارَكَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَمْ يَبْدُ فِيهِ الصَّلَاحُ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ وَمَا لَمْ يَبْدُ فِيهِ الصَّلَاحُ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ مِنْ حَائِطٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ لَا يُؤَدِّي إلَى الضَّرَرِ بِسُوءِ الْمُشَارَكَةِ، فَإِنْ بَدَا الصَّلَاحُ فِي بَعْضِ الْجِنْسِ فِي حَائِطٍ، فَبَاعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَبْدُ فِيهِ الصَّلَاحُ مُفْرَدًا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ. أحدهما: يَجُوزُ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهُ فِي حُكْمِ مَا بَدَا فِيهِ الصَّلَاحُ فَجَازَ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، والثاني: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جُعِلَ فِي حُكْمِ مَا بَدَا فِيهِ الصَّلَاحُ تَبَعًا لِمَا بَدَا فِيهِ الصَّلَاحُ، وَمَا أُجِيزَ بَيْعُهُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ كَالْحَمْل".
الشرح: فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ إحداها: قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه وَالْأَصْحَابُ: إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي بَعْضِ الثَّمَرَةِ جَازَ بَيْعُ جَمِيعِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِأَنَّ الثِّمَارَ لَا تَطِيبُ دَفْعَةً وَاحِدَةً رِفْقًا بِالْعِبَادِ، فَإِنَّهَا لَوْ طَابَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَكْمُلْ تَفَكُّهُهُمْ بِهَا وَإِنَّمَا تَطِيبُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَلَوْ اُشْتُرِطَ فِي كُلِّ مَا يُبَاعُ طِيبُهُ فِي نَفْسِهِ لَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، فَإِنَّ الْعَذْقَ الْوَاحِدَ يَطِيبُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ، وَإِلَى أَنْ يَطِيبَ الْأَخِيرُ يَتَسَاقَطُ الْأَوَّلُ، فَكَانَ يُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ إمَّا أَنْ لَا يُبَاعَ، وَإِمَّا أَنْ يُبَاعَ حَبَّةً حَبَّةً، وَفِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: