فهرس الكتاب

الصفحة 3787 من 4102

ج / 11 ص -111-"بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ"وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي الْأُمِّ عَنْ عَطَاءٍ فِي الْحَائِطِ: تَكُونُ فِيهِ النَّخْلَةُ فَتُزْهِي، وَالْحَائِطُ بَلَحٌ، قَالَ: حَسْبُهُ إذَا أَكَلَ مِنْهُ فَلْيَبِعْ، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الصَّلَاحُ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا يَضْبِطُونَهُ بِهِ، وَمَذْهَبُنَا: أَنَّهُ يَكْفِي بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي نَخْلَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ فِي بُسْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ غَيْرَ النَّخْلِ مِنْ الشَّجَرِ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّخْلِ.

إذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ، فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي بَعْضِ الثَّمَرَةِ دُونَ بَعْضٍ نُظِرَ إنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، لَمْ يَكُنْ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ صَلَاحًا فِي الْجِنْسِ الْآخَرِ، حَتَّى لَوْ بَاعَ الرُّطَبَ وَالْعِنَبَ صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَجَبَ شَرْطُ الْقَطْعِ فِي الْجِنْسِ الَّذِي لَمْ يَبْدُ فِيهِ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا. وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: يَجُوزُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ صَلَاحًا لِجَمِيعِ أَجْنَاسِ الثِّمَارِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ. وَإِنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ وَالنَّوْعُ وَالْبُسْتَانُ وَالصَّفْقَةُ وَالْمِلْكُ جَازَ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ بِلَا خِلَافٍ. وَإِنْ اخْتَلَفَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَفِيهِ صُوَرٌ. الْأُولَى: أَنْ يَخْتَلِفَ النَّوْعُ كَالْمَعْقِلِيِّ وَالْبَرْنِيِّ، فَيَبِيعَ النَّوْعَ الَّذِي بَدَا صَلَاحُهُ، وَالنَّوْعَ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنْ جِنْسِهِ فِي ذَلِكَ الْبُسْتَانِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي طَرِيقَتَيْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ، كَالْوَجْهَيْنِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ فِي التَّأْبِيرِ، والأصح: عِنْدَ الرَّافِعِيِّ: التَّبَعِيَّةُ، وَأَنَّ حُكْمَهُ وَحُكْمَ التَّأْبِيرِ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ رحمه الله تعالى، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ خَيْرَانَ وَأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ عَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ عَنْهُمَا، وَبِهِ جَزَمَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَا حَكَاهُ أَحْمَدُ بْنُ بُشْرَى عَنْ الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: إذَا كَانَ فِي حَائِطٍ بَرْنِيُّ وَعَجْوَةٌ وَصَيْحَانِيٌّ فَبَدَا صَلَاحُ الْجِنْسِ جَازَ بَيْعُ الْجَمِيعِ.

وأما: قَوْلُهُ فِي الصَّرْفِ: فَإِنْ كَانَ نَخْلًا وَعِنَبًا أَوْ غَيْرَهُ، وَبَدَا صَلَاحُ صِنْفٍ مِنْهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِحَالِهِ، فَلَا يُنَافِيهِ، فَإِنَّ مَعْنَى هَذَا أَنْ يُفْرِدَهُ بِالْبَيْعِ، وَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنْ يَبِيعَ الْأَصْنَافَ جُمْلَةً. وَهَذَا النَّصُّ الْمَنْقُولُ عَنْ الْإِمْلَاءِ صَرِيحٌ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ قَالَ: إنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ فِي الْجَامِعِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي النَّوْعِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ أَنَّ الصَّلَاحَ إذَا بَدَا فِي الثَّمَرَةِ الصَّيْفِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بُدُوًّا لَهُ فِي الثَّمَرَةِ الشَّتْوِيَّةِ، فَكَذَلِكَ فِي النَّوْعَيْنِ مِثْلُهُ سَوَاءٌ.

قلت: وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ الشَّتْوِيَّةَ وَالصَّيْفِيَّةَ يَخْتَلِفَانِ فِي الْوَقْتِ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا بَعِيدًا وَالنَّوْعَانِ مِنْ الثَّمَرَةِ الْوَاحِدَةِ مُتَقَارِبَانِ غَالِبًا، نَعَمْ إنْ فُرِضَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا شَتْوِيٌّ وَالْآخَرُ صَيْفِيٌّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، فَإِنَّا إنَّمَا نَعْتَبِرُ بُدُوَّ الصَّلَاحِ لِكَوْنِهِ وَقْتًا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فِيهِ أَمْنُهَا مِنْ الْعَاهَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ بَيْنَ صَلَاحِ الشِّتْوِيَّةِ وَالصَّيْفِيَّةِ مِنْ الزَّمَانِ مَا لَا يُوثَقُ بِذَلِكَ فِيهِ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ الَّذِي قَالَهُ قَالَ: وَصَلَاحُ الثَّمَرَةِ إذَا احْمَرَّتْ أَوْ اصْفَرَّتْ فِي الْحَائِطِ نَخْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَقَدْ جَازَ بَيْعُهُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ شِتْوِيًّا وَبَعْضُهُ صَيْفِيًّا، فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَبِيعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِبَالِهِ، وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى الْجِنْسَيْنِ فَبَعِيدٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت