فهرس الكتاب

الصفحة 3788 من 4102

ج / 11 ص -112- وَإِذَا كَانَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، فَلَا وَجْهَ حِينَئِذٍ بِأَنْ يُقَالَ: بِأَنَّ بَعْضَ الْأَنْوَاعِ تَابِعٌ لِبَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا شِتْوِيًّا وَبَعْضُهَا صَيْفِيًّا، لِمُخَالَفَةِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ شَاهِدٌ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ النَّوْعِ يُؤَثِّرُ فِي قَطْعِ التَّبَعِيَّةِ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يُفَرَّقُ فِي الْأَنْوَاعِ بَيْنَ مَا يَتَقَارَبُ إدْرَاكُهَا فَيُحْكَمُ فِيهَا بِالتَّبَعِيَّةِ، وَبَيْنَ مَا يَتَأَخَّرُ فَلَا يُحْكَمُ، بَلْ لَا يُنْظَرُ إلَى اخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ، بَلْ إلَى تَفَاوُتِ الزَّمَانِ، حَتَّى لَوْ كَانَ نَوْعٌ وَاحِدٌ مَعْقِلِيٌّ مَثَلًا، مِنْهُ مَا يَكُونُ فِي الصَّيْفِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ فِي الشِّتَاءِ، لَا يُجْعَلُ أَحَدُهُمَا تَابِعًا لِلْآخَرِ فِي الصَّلَاحِ، فَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ، وَالْمَعْنَى وَالْفِقْهُ يَقْتَضِيهِ كَانَ الْمَقْصُودُ هُنَا الْأَمْنَ مِنْ الْعَاهَةِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

فَالْقَوْلُ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَنْوَاعِ لَا أَثَرَ لَهُ وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّمَانُ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ،، وَإِلْحَاقُهُ بِالتَّأْبِيرِ غَيْرُ مُتَّجَهٍ لِاخْتِلَافِ الْمُدْرَكِ فِي التَّأْبِيرِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَنْوَاعِ مُؤَثِّرٌ مُطْلَقًا مُخَالِفٌ لِنَصِّهِ الْمَنْقُولِ عَنْ الْإِمْلَاءِ. وَهَذَا الَّذِي قُلْتُهُ يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا ثَالِثًا، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ النُّصُوصِ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الصَّيْفِيِّ وَالشِّتْوِيِّ عَلَى الْجِنْسَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَدْفَعُهُ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ: وَإِذَا كَانَ فِي الْبُسْتَانِ جِنْسَانِ يَتَبَاعَدُ إدْرَاكُهُمَا كَالصَّيْفِيِّ وَالشِّتْوِيِّ، وَبَدَا صَلَاحُ الصَّيْفِيِّ، لَا يَتْبَعُهُ الشِّتْوِيُّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ ابْنَ خَيْرَانَ اخْتَارَ فِيمَا إذَا أُبِّرَ بَعْضُ الْأَنْوَاعِ دُونَ بَعْضٍ: أَنَّ غَيْرَ الْمُؤَبَّرِ لَا يَتْبَعُ الْمُؤَبَّرَ، وَاخْتَارَ أَنَّ النَّوْعَ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ يَتْبَعُ الَّذِي بَدَا صَلَاحُهُ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّأْبِيرِ وَبُدُوِّ الصَّلَاحِ وَاخْتِلَافِ مَأْخَذَيْهِمَا، فَلِذَلِكَ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ كَلَامَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إنَّهُ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي مَسْأَلَةِ بُدُوِّ الصَّلَاحِ اسْتَدَلُّوا: بِأَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ تُضَمُّ إلَى مَا بَدَا صَلَاحُهُ فِي الزَّكَاةِ، فَمَتَى وُجِدَ مِنْهَا وَسْقَانِ وَنِصْفٌ وَمِنْ هَذِهِ الَّتِي بَدَا صَلَاحُهَا وَسْقَانِ وَنِصْفٌ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه مِنْ الثَّمَرَةِ الشِّتْوِيَّةِ مَعَ الصَّيْفِيَّةِ، فَإِنَّهَا لَا تَتْبَعُهَا فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَإِنْ كَانَتْ تُضَمُّ إلَيْهَا فِي الزَّكَاةِ، فَإِطْلَاقُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رحمه الله تعالى يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّوْعُ أَوْ لَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْتَلِفَ الزَّمَانُ أَوْ لَا، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَمْ يَبْدُ فِيهِ الصَّلَاحُ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ قَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ ذَلِكَ لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، وَأَنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ خَالَفَ فِيهِ، وَرَدُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَيْعُ الْعِنَبِ قَبْلَ أَنْ يَسْوَدَّ، وَهُوَ خِلَافُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَخْتَلِفَ الْبُسْتَانُ كَمَا إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي جِنْسٍ فِي بُسْتَانٍ، وَلَهُ بُسْتَانٌ آخَرُ، فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ لَمْ يَبْدُ فِيهِ الصَّلَاحُ، فَبَاعَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَأَنَّ صَلَاحَ أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ صَلَاحًا لِلْآخَرِ، وَادَّعَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَجَمِيعُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَمَالَ الْإِمَامُ إلَى خِلَافِ مَا قَالُوهُ، سِيَّمَا إذَا لَمْ يَتَبَاعَدْ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إلَّا جِدَارٌ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَثْبَتَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ أَخْذًا مِنْ تَفَقُّهِ الْإِمَامِ، وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ، وَظَاهِرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت