فهرس الكتاب
ج / 11 ص -117- فِيمَا تَقَدَّمَ مَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْعَادَةِ وَمَا لَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْعَادَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِمَّا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ هُنَا: أَنَّ مُوجَبَ الشَّرْعِ تَفْرِيغُ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا: بِأَنَّ أَصْلَ التَّفْرِيغِ مَقُولٌ بِهِ وَكَيْفِيَّتُهُ تُتَلَقَّى مِنْ الْعُرْفِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: مِنْ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا أَوْ مَتَاعًا بِاللَّيْلِ لَا يُكَلَّفُ نَقْلَهُ إلَّا فِي النَّهَارِ، وَأَمَّا السَّقْيُ فَجُمْهُورُ جَمَاعَاتِ الْأَصْحَابِ أَوْجَبَهُ عَلَى الْبَائِعِ وَجَعَلُوهُ مِنْ تَمَامِ التَّسْلِيمِ وَقَطَعَ بِذَلِكَ جَمَاعَاتٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الثَّمَرَةَ لَهُ والثاني: عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمِلْكِهِ، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ أَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، إنْ قُلْنَا: يَتْلَفُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَالسَّقْيُ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ فَالسَّقْيُ عَلَيْهِ.
قلت: وَكَذَلِكَ الشَّاشِيُّ فِي الْحِلْيَةِ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ السَّقْيِ عَلَى الْبَائِعِ، وَجَعَلَ أَصْلَهُمَا الْقَوْلَيْنِ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ الْجَدِيدَ أَنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ السَّقْيَ عَلَى الْبَائِعِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِلْقَدِيمِ، كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ وُجُوبَ السَّقْيِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إذَا بَاعَهَا مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ أما: إذَا بَاعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ بَعْدَ الصَّلَاحِ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ حَكَوْا طَرِيقَةً قَاطِعَةً عَنْ الْقَفَّالِ، فِيمَا إذَا بَاعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ أَنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، قَالُوا: إذْ لَا يَجِبُ السَّقْيُ عَنْ الْبَائِعِ هُنَا، فَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا وَعَدَمُ رَدِّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ، لَكِنْ لَنَا طَرِيقَةٌ أُخْرَى هُنَاكَ قَاطِعَةٌ بِأَنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَطَرِيقَةٌ وَهِيَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ هَاتَيْنِ الطَّرِيقَتَيْنِ يُوجِبُونَ السَّقْيَ أَيْضًا، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ الْإِبْقَاءَ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ صُورَةُ شَرْطِ الْقَطْعِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ وُجُوبِ السَّقْيِ، وَيَتَعَيَّنُ الْقَطْعُ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْقَطْعِ، فَكَيْفَ نُوجِبُ عَلَيْهِ السَّقْيُ؟ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّقْيُ فِي مُدَّةِ طَلَبِ الْقَطْعِ إذَا خِيفَ مِنْ تَرْكِهِ الْفَسَادُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ التَّسْلِيمِ، وَهَذَا بَعِيدٌ أَيْضًا كَمَا لَوْ اشْتَرَى حَيَوَانًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ طَلَبِهِ بِالتَّسْلِيمِ الْقِيَامُ بِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ نَصْبُ النَّاطُورِ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ.
فرع: إلَى مَتَى يَنْتَهِي الزَّمَانُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ السَّقْيُ؟ يَجِيءُ مِنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْإِمَامِ وَغَيْرِهِمَا مَا سَنَحْكِيهِ فِي مَسْأَلَةِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا: أَنَّهُ إلَى أَوَانِ الْجُذَاذِ والثاني: يَتَأَخَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانًا لَا يُنْسَبُ الْمُشْتَرِي فِيهِ إلَى تَوَانٍ بِتَرْكِ الثِّمَارِ عَلَى الْأَشْجَارِ والثالث: بِنَفْسِ الْجُذَاذِ، وَهَذَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ فِي السَّقْيِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْإِمَامُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ مُبَيَّنًا هُنَاكَ.
فرع: لَوْ شَرَطَ السَّقْيَ عَلَى الْمُشْتَرِي بَطَلَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ السَّقْيَ مَجْهُولٌ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ، وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ السَّقْيَ مَجْهُولٌ، وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ: أَنَّهُ وَلَوْ كَانَ مَعْلُومًا أَبْطَلْنَاهُ أَيْضًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ فِي أَوْلَى قَوْلَيْهِ قلت: وَهَذِهِ عِلَّةُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله تعالى، قَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ: وَالْجُذَاذُ عَلَى الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَصَحِّ قلت: وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ الْخِلَافِ يُمْكِنُ بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ فِي نِهَايَةِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ، هَلْ هُوَ بِوَقْتِ الْجُذَاذِ أَوْ بِنَفْسِ الْجُذَاذِ، إنْ قُلْنَا: بِالْأَوَّلِ