فهرس الكتاب
ج / 11 ص -119- الشرح: هَذَا الْفَصْلُ مَعْقُودٌ لِحُكْمِ اخْتِلَاطِ الثِّمَارِ، وَأُلْحِقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ اخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ. وَذَلِكَ عَلَى مَرَاتِبَ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: وَعَلَيْهَا اقْتَصَرْتُ فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ مَبِيعَةً فَتَخْتَلِطَ بِغَيْرِهَا، وَذَلِكَ إمَّا فِيمَا يَحْمِلُ حَمْلَيْنِ، وَإِمَّا فِيمَا يَحْمِلُ حَمْلًا وَاحِدًا وَكَانَ قَدْ اشْتَرَى مَا ظَهَرَ مِنْهَا، إمَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مُطْلَقًا أَوْ قَبْلَهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَلَمْ يَتَّفِقْ الْقَطْعُ - ثُمَّ حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى فَإِنَّ الثَّمَرَةَ الْحَادِثَةَ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَلْقُطَ الْمُشْتَرِي ثَمَرَهُ وَاخْتَلَطَتْ الْحَادِثَةُ بِالثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ، فَإِنْ كَانَتْ تَتَمَيَّزُ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي الْمُتَقَدِّمَةَ وَلِلْبَائِعِ الْحَادِثَةَ. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رضي الله عنهم مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ.
وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ، أَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً فَلَمْ تُقْبَضْ حَتَّى انْثَالَتْ عَلَيْهَا حِنْطَةٌ أُخْرَى، وَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مَعْلُومَةِ الْقَدْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَفِيهِ قَوْلَانِ اتَّفَقَتْ الطُّرُقُ عَلَى حِكَايَتِهِمَا أحدهما: يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمُرَادُ بِالتَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ مَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا التَّسْلِيمُ فِي ضِمْنِ الْجَمِيعِ فَلَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَمَحَ بِهِ لَا يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى قَبُولِهَا كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبْضِ مَا اشْتَرَاهُ، وَعَيَّنَ أُخْرَى. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُشْتَرِي لَا يُجْبِرُ الْمُبْتَاعَ عَلَى الْقَبْضِ نَقُولُ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَنْقُولٌ عَنْ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ عَلَى مَسَائِلِ مَالِكٍ رحمه الله فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: إنَّمَا أَسْمَحُ بِحَقِّي فَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، والقول الثاني: نَقَلَهُ الرَّبِيعُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَكَذَلِكَ الْجُرْجَانِيُّ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ، فَإِذَا سَمَحَ الْبَائِعُ بِتَسْلِيمِهِ كَانَ كَزَوَالِ الْعَيْبِ فَيَسْقُطُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي.
قَالَ هَؤُلَاءِ: وَالتَّسْلِيمُ غَيْرُ مُتَعَذَّرٍ، فَإِنَّهُ يَقْبِضُهُ أَكْمَلَ مَا كَانَ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي طَعَامٍ جَيِّدٍ فَأَعْطَى أَجْوَدَ مِمَّا ذَكَرُوهُ، وَأَرْدَأَ مِنْهُ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ قَبُولُهُ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِي الْعَيْنِ الْمَضْمُومَةِ إلَى الْمَبِيعِ إذَا كَانَتْ مُتَمَيِّزَةً يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ عَلَى الِانْفِرَادِ. وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله: إنَّ الصَّحِيحَ الْأَوَّلُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّاشِيُّ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ، وَعَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ حِكَايَةُ قَوْلٍ ثَالِثٍ: أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ وَلَا خِيَارَ، وَيُجْعَلُ الِاخْتِلَاطُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالِاخْتِلَاطِ بَعْدَهُ، وَاسْتَبْعَدَهُ الْإِمَامُ، وَحَكَاهُ الْجُورِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْمَرْوَزِيِّ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ طَرِيقَةً أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ جَعَلَهَا دَلِيلَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي اخْتِلَاطِ الثِّمَارِ، قَالَ: وَهَذَا أَوَضَحُ.
واعلم: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي تَعْلِيلِ كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّسْلِيمَ لَمْ يُوجَدْ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقَبْضَ فِي الثِّمَارِ بِالتَّخْلِيَةِ، لَكِنْ وَإِنْ قُلْنَا: قَبْضُهَا بِالتَّخْلِيَةِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَبْضٍ تَامٍّ، فَإِنَّ الْبَائِعَ يَجِبُ عَلَيْهِ سَقْيُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، فَالتَّسْلِيمُ التَّامُّ إنَّمَا هُوَ حِينَ الْجُذَاذِ، وَشَبَّهَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ رِضَى الْبَائِعِ بِتَرْكِ حَقِّهِ بِالِاعْتِرَاضِ عَنْ النَّعْلِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى دَابَّةً وَنَعَلَهَا، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ، قَالَ الْإِمَامُ: وَمَسْأَلَةُ النَّعْلِ لَيْسَتْ خَالِيَةً عَنْ خِلَافٍ، وَهَذِهِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا أَوْلَى بِالْخِلَافِ مِنْ تِلْكَ، فَإِنَّ إلْزَامَ الْمُشْتَرِي بِطَوْقِ مِنَّةِ الْبَائِعِ فِيهِ بُعْدٌ. وَفِي هِبَةِ الْمَجْهُولِ غَوَائِلُ، فَالْمَسْأَلَةُ إذَنْ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَإِنْ أَجْبَرْنَا الْمُشْتَرِيَ سَقَطَ خِيَارُهُ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى تَخَيُّرِهِ.