فهرس الكتاب

الصفحة 3796 من 4102

ج / 11 ص -120- وَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِيمَا إذَا انْثَالَتْ حِنْطَةٌ عَلَى الْحِنْطَةِ الْمَبِيعَةِ، وَسَلَّمَ الْبَائِعُ الْكُلَّ إلَى الْمُشْتَرِي وَجْهَيْنِ، فِي إجْبَارِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَبُولِ. وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِمُسَاعَدَةِ الْإِمَامِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْكِ خِلَافًا فِي مَسْأَلَةِ الثَّمَرَةِ. وَمَعَ حِكَايَتِهِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْإِجْبَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ قَالَ: إنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، وَهَذَا كَلَامٌ مَتِيحٌ. وَالصَّوَابُ: أَنَّا إذَا لَمْ نُجْبِرْ الْمُشْتَرِيَ عَلَى الْقَبُولِ فَخِيَارُهُ بَاقٍ، وَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الثِّمَارِ وَالْحِنْطَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ بِالْوَجْهَيْنِ فِي الْإِجْبَارِ فِي هِبَةِ الضَّمَانِ. وَقَالَ: إنَّ الْأَقْيَسَ عَدَمُ الْإِجْبَارِ عَلَى الْقَبُولِ. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى الْوَجْهَيْنِ هُنَا، وَقَالَ: إنَّ الْأَصَحَّ سُقُوطُ خِيَارِ الْمُشْتَرِي كَمَا فِي مَسْأَلَةِ النَّعْلِ.

وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الثَّمَرَةِ: فَلَمْ يَأْخُذْ، وَفِي الْحِنْطَةِ: فَلَمْ يَقْبِضْ، لَهُ مَعْنَى أُنَبِّهُ عَلَيْهِ عَنْ قُرْبٍ، وَقَوْلُهُ: حَتَّى انْثَالَتْ عَلَيْهَا حِنْطَةٌ أُخْرَى هُوَ بِإِطْلَاقِهِ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَا مَعْلُومَيْ الْقَدْرِ أَوْ لَا، لَكِنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُونَا مَعْلُومَيْ الْقَدْرِ عَلَى مَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي فَرْعٍ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ رحمه الله تعالى: فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ، قُلْنَا لِلْبَائِعِ: إنْ سَمَحْتَ بِحَقِّكَ أُقِرَّ الْعَقْدُ، وَأَجْبَرْنَا الْمُشْتَرِيَ عَلَى الْقَبُولِ. كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْإِمَامِ مَا فِيهِ. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَسْمَحْ الْبَائِعُ فُسِخَ الْعَقْدُ. أَيْ يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ. مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَلَا يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي هَهُنَا: أَنْكِرْ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ جَمِيعًا إلَى الْبَائِعِ، لِئَلَّا يَفُوزَ الْبَائِعُ بِالْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْفَسْخِ عِنْدَ امْتِنَاعِ الْبَائِعِ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ يَفْصِلُ الْخُصُومَةَ بَيْنَهُمَا بِالتَّدَاعِي. وَهُوَ يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ.

فرع: لَوْ انْثَالَ عَلَى الْحِنْطَةِ الْمَبِيعَةِ بَعْدَ قَبْضِهَا حِنْطَةٌ أُخْرَى، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَهُمَا مَالَانِ اخْتَلَطَا، فَإِنْ اصْطَلَحَا عَلَى شَيْءٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ الشَّيْءُ فِي يَدِهِ فِي قَدْرِ مَا لِصَاحِبِهِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَصُورَتُهُ: أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي تَرَكَ الطَّعَامَ وَدِيعَةً عِنْدَهُ فَاخْتَلَطَ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الثَّمَرَةِ فَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ، سَوَاءٌ اخْتَلَطَتْ الْحَادِثَةُ بِالْخَارِجَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ أَمْ قَبْلَهُ. وَقَالَ الْمُزَنِيّ رحمه الله تعالى: إنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فِيهِمَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَغَلَّطَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَفَرَّقَ هُوَ وَالْأَصْحَابُ: بِأَنَّ الطَّعَامَ إذَا قُبِضَ اسْتَقَرَّ الْعَقْدُ وَالثَّمَرَةُ إنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْجَدِيدِ: إنَّهَا مِنْ ضَمَانِهِ، فَإِنَّ كَمَالَ الْقَبْضِ فِيهَا عَلَى الْبَائِعِ، بِدَلِيلِ أَنَّ عَلَيْهِ السَّقْيَ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ عَطِشَتْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ.

قلت: وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الثَّمَرَةِ: فَلَمْ يَأْخُذْ، وَفِي الْحِنْطَةِ: فَلَمْ يَقْبِضْ، فَلَمْ يَأْتِ فِي الثَّمَرَةِ بِلَفْظِ الْقَبْضِ، بَلْ بِلَفْظِ الْأَخْذِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَخْذُهَا مِنْ عَلَى الشَّجَرَةِ، وَأَمَّا الْقَبْضُ فَمُتَقَدِّمٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَلَطَتْ الثِّمَارُ بَعْدَ الْجُذَاذِ أَوْ فِي الْجَرِينِ، أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ لَمْ يَسْتَقِرَّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا عَطِشَتْ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ الْبَائِعُ مِنْ السَّقْيِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهَا بِالْعَيْبِ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا مِنْهُمْ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت