فهرس الكتاب
ج / 11 ص -122- ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَا: إنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: أَسْمَحُ فَفِي سُقُوطِ خِيَارِ الْمُشْتَرِي وَجْهَانِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ إثْبَاتِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَحْ الْبَائِعُ، فَالْمُشْتَرِي يَفْسَخُ، وَقَدْ قَدَّمْتُ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الْفَاسِخَ هُوَ الْحَاكِمُ، وَأَيْضًا قِيَاسُ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْعُيُوبِ، فَيَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ إلَّا أَنْ يُسْقِطَهُ الْبَائِعُ بِتَرْكِ حَقِّهِ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَخَّرَ الْمُشْتَرِي الْفَسْخَ سَقَطَ حَقُّهُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ اعْتَرَفَا وَالِاخْتِلَاطُ بَعْدَ الْقَبْضِ بِالِالْتِبَاسِ، وَرَضِيَا بِأَنْ لَا يُفْسَخَ الْعَقْدُ، رَجَعَ الْكَلَامُ إلَى الْوَقْفِ وَالِاصْطِلَاحِ، فَقَوْلُهُ: وَرَضِيَا بِأَنْ لَا يُفْسَخَ الْعَقْدُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ التَّامِّ فَلَا خِيَارَ وَلَا يُفْسَخُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ فَعِنْدَهُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَأْتِي هَذَا الْكَلَامُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ، فَحِينَئِذٍ إذَا رَضِيَا بِأَنْ لَا يُفْسَخَ الْعَقْدُ يَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى الِاصْطِلَاحِ كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ.
فرع: هَكَذَا الْحُكْمُ فِي بَيْعِ الْبَاذِنْجَانِ فِي شَجَرِهِ إذَا بَلَغَ نِهَايَتَهُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى شَرْطِ الْقَطْعِ، وَلَوْ كَانَ الْبَعْضُ صِغَارًا وَالْبَعْضُ كِبَارًا فَإِنَّهُ يُتْرَكُ حَتَّى يَتَلَاحَقَ، فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ صِغَارًا لَمْ يَجُزْ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، فَلَوْ بَاعَ فِي الْحَالَتَيْنِ ثُمَّ ظَهَرَ شَيْءٌ آخَرُ وَاخْتَلَطَ بِالْمَبِيعِ جَرَى الْقَوْلَانِ، وَكَذَلِكَ الْخِرْبِزِ وَهُوَ الْبِطِّيخُ، وَهَكَذَا الْقِثَّاءُ وَالْخِيَارُ، وَكُلُّ مَا لَهُ حَمْلٌ بَعْدَ حَمْلٍ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ وَالْأَصْحَابُ، فَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ شَجَرَ الْبَاذِنْجَانِ فَسَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا.
فرع: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَقْيِيدِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، لَوْ اخْتَلَطَ الطَّعَامُ الْمَبِيعُ بِغَيْرِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مَعْلُومَ الْقَدْرِ، وَذَلِكَ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا: أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَعْلُومَ الْكَيْلِ، وَإِمَّا: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِنْهُمَا مَعْلُومًا، فَيُعْلَمُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ كَيْلِ الْمَبِيعِ قَدْرُ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ، وَإِمَّا: أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَبِيعِ مَعْلُومًا فَيُعْلَمُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ كَيْلِ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ قَدْرُ الْمَبِيعَ، فَإِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فَقَدْ صَارَ مُخْتَلِطَ الْعَيْنِ مُتَمَيِّزَ الْقَدْرِ، وَتَمَيُّزُ الْقَدْرِ يَمْنَعُ مِنْ الْجَهْلِ، وَهُوَ أَقْوَى الْمَقْصُودَيْنِ، فَصَحَّ الْبَيْعُ، وَاخْتِلَاطُ الْعَيْنِ مُغَيِّرٌ لِلصِّفَةِ مَعَ تَفَاوُتِ الْأَجْزَاءِ، فَصَارَ عَيْبًا يُوجِبُ الْخِيَارَ، فَوَجَبَ: أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ جَائِزًا، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، فَإِنْ فَسَخَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ أَقَامَ صَارَ شَرِيكًا لِلْبَائِعِ عَلَى قَدْرِ الْحِصَّتَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الطَّعَامَانِ مُتَمَاثِلَيْ الْقِيمَةِ تَقَاسَمَاهُ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفَ الْقِيمَةِ بِيعَ، وَكَانَا شَرِيكَيْنِ فِي ثَمَنِهِ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الطَّعَامَيْنِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِقِسْمَةِ ذَلِكَ كَيْلًا، عَلَى الْحِصَصِ دُونَ الْقِيمَةِ فَيَجُوزُ. ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ بِكَمَالِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَهُوَ يُنَبِّهُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الِانْفِسَاخِ، إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْجَهْلِ بِالْمِقْدَارِ، وَلِذَلِكَ قَيَّدْتُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَذَلِكَ كَلَامُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ، وَأَمَّا الثِّمَارُ فَلَا تَكُونُ إلَّا مَجْهُولَةَ الْمِقْدَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا كَانَ اخْتِلَاطُ الطَّعَامِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ بِحَالِهِ، وَكَذَلِكَ الثَّمَرَةُ إذَا كَانَ بَعْدَ الْجُذَاذِ، فَإِنْ كَانَ قَدْرُ الطَّعَامِ أَوْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومًا بِأَحَدِ الْأَوْجُهِ الَّتِي مَضَتْ