فهرس الكتاب
ج / 11 ص -123- تَقَاسَمَاهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ قَدْرُ الطَّعَامِ مَجْهُولًا وَالْفَرْضُ: أَنَّهُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ جَازَ، وَاقْتَسَمَاهُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فَإِنْ كَانَتْ صُبْرَةُ الْمُشْتَرِي قَدْ انْثَالَتْ عَلَى صُبْرَةِ الْبَائِعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي قَدْرِ مَا لَهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ. وَإِنْ كَانَتْ صُبْرَةُ الْبَائِعِ انْثَالَتْ عَلَى صُبْرَةِ الْمُشْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ مَا لَهُ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ. وَقَالَ الْمُزَنِيّ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ قَدْ كَانَتْ عَلَى الطَّعَامَيْنِ مَعًا، وَكَانَ أَعْرَفَ بِقَدْرِهِمَا مِنْ الْمُشْتَرِي الْمُسْتَحْدَثِ الْيَدِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ اعْتِبَارُ الْيَدِ فِيهِ كَانَتْ الْيَدُ الثَّانِيَةُ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً مِنْ الْيَدِ الْمُرْتَفِعَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ قلت: وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُخْتَصَرًا، وَلَيْسَ مِنْ لَازِمِ التَّصْوِيرِ الَّذِي أَطْلَقَهُ الْمُزَنِيّ أَنْ تَكُونَ الْيَدُ لِلْبَائِعِ، فَقَدْ تَكُونُ صُبْرَتُهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ صَدَرَ الْخَلْطُ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي عَنْ قَصْدٍ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ كَمَا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي الْأُمِّ.
فرع: قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الِانْفِسَاخِ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَاطِ الثِّمَارِ الْمَبِيعَةِ بِغَيْرِهَا يَنْبَنِيَانِ عَلَى تَلَفِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَلِأَيِّ مَعْنًى يَنْفَسِخُ؟ فِيهِ مَعْنَيَانِ. أحدهما: لِتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ والثاني: لِوُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْ التَّسْلِيمِ،إنْ قُلْنَا: بِالْأَوَّلِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ هَهُنَا (وَإِلَّا) فَلَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ الْكُلِّ. قَالَ: وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ مَسَائِلُ منها: إذَا بَاعَ دُرَّةً وَوَقَعَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي وَادٍ، إنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ انْفَسَخَ وَإِلَّا فَلَا ومنها: لَوْ بَاعَ عُصْفُورًا ثُمَّ اخْتَلَطَ بِعَصَافِيرِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ حِنْطَةً فَانْثَالَتْ عَلَيْهَا حِنْطَةٌ أُخْرَى لِلْبَائِعِ، إنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ انْفَسَخَ وَإِلَّا فَلَا، ومنها: إذَا بَاعَ عَبْدًا فَأَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ، عَامَّةُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَسِخُ. وَقَالَ أَبُو يَعْقُوبَ الأبيوردي: كُلٌّ يَنْفَسِخُ، قَالَ الْقَاضِي: وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ، وَكَذَا لَوْ نَهَبَهُ التُّرْكُمَانُ أَوْ غَارُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
قلت: وَفِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَاطِ الثِّمَارِ وَالْحِنْطَةِ وَشَبَهِهَا لَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَ تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ وَبَيْنَ الْيَأْسِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ وَحْدَهُ مُتَمَيِّزًا فَهُوَ مُتَعَذَّرٌ، وَمَيْئُوسٌ مِنْهُ، وَإِنْ أُرِيدَ تَسْلِيمُهُ فِي الْجُمْلَةِ فَلَيْسَ بِمُتَعَذَّرٍ وَلَا مَيْئُوسٍ مِنْهُ، وأما: مَسْأَلَةُ الْعُصْفُورِ فَقَدْ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: إنَّهُ لَوْ بَاعَ شَاةً فَاخْتَلَطَتْ بِقَطِيعٍ لَا تَتَمَيَّزُ فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ. قَالَ: وَتُفَارِقُ الْحِنْطَةَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْإِشَاعَةَ لَمْ تَمْنَعْ الْبَيْعَ، وَهَهُنَا الِاشْتِبَاهُ مَانِعٌ مِنْ الْعَقْدِ. وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّسْلِيمُ بِأَنْ يَقْبِضَ الْكُلَّ وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مِنْ اخْتَلَطَتْ شَاتُهُ بِقَطِيعٍ لِإِنْسَانِ. قَالَ: وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْقَبْضِ أَنْ يَتَسَلَّطَ بِهِ عَلَى الْمَقْبُوضِ، وَيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ بِقَبْضِ الْجُمْلَةِ.
قلت: قَوْلُهُ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ، إنْ أَرَادَ التَّرْجِيحَ فِي الْجُمْلَةِ، فَالْحِنْطَةُ وَالثَّمَرَةُ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَبْطُلُ قَطْعًا بِخِلَافِ الْحِنْطَةِ وَالثَّمَرَةِ لِمَا لَحَظَهُ مِنْ مَعْنَى الْإِشَاعَةِ وَالِاشْتِبَاهِ، فَقَدْ يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الْخَلْطَ هَهُنَا لَوْ اقْتَضَى الْإِشَاعَةَ كَمَا يَقُولُهُ فِي بَابِ الْفَلَسِ وَغَيْرِهِ، لَكَانَ الْمَذْهَبُ هُنَا أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِالِاخْتِلَاطِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ هُنَاكَ أَنَّهُ يَصِيرُ مُشْتَرَكًا، وَأَيْضًا فَكَانَ يَفْصِلُ هُنَا بَيْنَ