ج / 11 ص -138- احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَمَنْ رَفَعَ مَعَهُ زِيَادَةً عَلَى مَنْ وَقَفَ، وَالْمُخَالِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ مِثْلِ ذَلِكَ. فَقَدْ تَلَخَّصَتْ رِوَايَاتُ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ جَدِّ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهم وَرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهم، وَأَصَحُّهَا: رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه وَرِوَايَةُ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ سَنَدُهَا جَيِّدٌ، وَرِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَدِّثِينَ ضَعِيفَةٌ فِي رَفْعِهَا، وَيَجِبُ عَلَى طَرِيقَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ التَّمَسُّكُ بِهَا وَتَرْجِيحُ الْحُكْمِ بِالْمَرْفُوعِ، وَلَا أَرَى التَّمَسُّكَ بِمِثْلِ هَذَا الْمُصَنَّفِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ مَعَ قُوَّةِ الظَّنِّ بِالْوَقْفِ لِرُجْحَانِ رُوَاتِهِ كَثْرَةً وَجَلَالَةً.
نَعَمْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ التَّيْمِيِّ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ وَكَانَ الرَّفْعُ فِيهِ مُحَقَّقًا تَعَيَّنَ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ مِمَّنْ رَوَاهُ مَوْقُوفًا، فَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَيَكُون عَنْهُ رِوَايَتَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا اللُّغَةُ: فَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"لَا تُصَرُّوا"فَهُوَ بِضَمِّ التَّاء الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقَ وَفَتْحِ الصَّادِ، وَبَعْدَ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَاوٌ، وَفَتْحُ لَامِ الْإِبِلِ عَلَى مِثَالِ تَرَكُوا.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: كَذَا صَحِيحُ الرِّوَايَةِ مِنْ صَرَّى إذَا جُمِعَ مُثَقَّلٌ وَمُخَفَّفٌ، وَهُوَ تَفْسِيرُ مَالِكٍ لَهُ، وَالْكَافَّةُ1 مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ وَبَعْضِ الرُّوَاةِ تَحْذِفُ وَاوَ الْجَمْعِ وَتَضُمُّ لَامَ الْإِبِلِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: يَصُرُّوا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الصَّادِ وَإِثْبَاتِ وَاوِ الْجَمْعِ وَنَصْبِ لَامِ الْإِبِلِ وَخَطَّأَ الْقَاضِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ: إنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ إلَّا عَلَى تَفْسِيرِ مَنْ فَسَّرَ بِالرَّبْطِ وَالشَّدِّ مِنْ صَرَّ يَصِرُّ. وَقَالَ فِيهِ: الْمَصْرُورَةُ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الشَّافِعِيِّ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ، كَأَنَّهُ يَحْبِسُهُ بِرَبْطِ أَخْلَافِهَا وَشَدِّهَا لِذَلِكَ، وَخَطَّأَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْوَجْهَ الْأَخِيرَ وَجَعَلَهُ وَهْمًا، مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ مَصْرُورَةً. قَالَ: وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ. وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ، وَهُوَ مِثْلُ الْوَجْهِ الْأَخِيرِ، وَقَيَّدَهُ الْفَارِقِيُّ تِلْمِيذُ الْمُصَنِّفِ بِالْوَجْهِ الثَّانِي وَابْنُ مَعْنٍ شَارِحُ الْمُهَذَّبِ بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ، وَالْفَارِقِيُّ أَقَلُّ عُذْرًا؛ لِأَنَّ الْوَاوَ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَنُسَخِ الْمُهَذَّبِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَاللُّغَةِ فِي الْمُصَرَّاةِ وَمِنْ أَيْنَ أُخِذَتْ وَاشْتُقَّتْ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: التَّصْرِيَةُ: أَنْ تُرْبَطَ أَخْلَافُ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ وَتُتْرَكَ مِنْ الْحَلْبِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهَا لَبَنٌ فَيَرَاهُ مُشْتَرِيهَا كَثِيرًا فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهَا، فَإِذَا تُرِكَتْ بَعْدَ تِلْكَ الْحَلْبَةِ حَلْبَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ عُرِفَ: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَبَنِهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُصَرَّاةُ النَّاقَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ أَوْ الشَّاةُ الَّتِي قَدْ صُرِيَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا يَعْنِي حُقِنَ فِيهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سبق أن نبه الإمام النووي على خطأ تعريف كافة في"المجموع"وفي"تهذيب الأسماء واللغات"فقال: أهل اللغة والفقه كافة (ط) .